أنت شخص ناجح لكن على المستوى الفردي فقط، كافحت لتبني نفسك وتحصل على تعليم جيد وتعلمت مهارات العصر وأتقنت أكثر من لغة وحصلت على وظيفة مرموقة وتزوجت وأنشأت أسرة وامتلكت بيتًا وسيارة، كل هذا شيء جميل جدًا، لكن لا تهرب من الحقيقة وهي أنك شخص ناجح يعيش في مجتمع فاشل وفي أمة فاشلة.

دعنا ننتقل الآن إلى حالة مناقضة لحالتك، وهي حالة شخص فاشل في أمة ناجحة، فالشخص الفاشل في فرنسا مثلًا يُصرف له بدل بطالة 514 يورو أي ما يتعدى الـ(10) آلاف جنيه مصري وله تأمين صحي حقيقي، ومتوسط عمره أعلى ويركب وسائل مواصلات مناسبة للبشر والطرق بدون مطبات ولا يسمع أصوات التكاتك وأغاني المهرجانات، ولا يقف في طوابير العيش والتموين والروتين الحكومي، وله الحق أن يدلي بصوته ويشارك في تحديد مسار من يحكم بلاده، فالشخص الفاشل في المجتمع الناجح تكفله الدولة وترعاه وتوفر له حياة كريمة وذلك للحد من الجريمة والحفاظ على بنية المجتمع.

والآن يا صديقي أسألك السؤال الصعب، أيهما أفضل: الشخص الناجح في مجتمع فاشل أم الشخص الفاشل في مجتمع ناجح؟ أظنك عرفت الإجابة وعرفت أننا نستحق أن نكون أفضل من ذلك، نستحق أن نعيش حياة كريمة وأن نكون أمة ناجحة ولن نكون كذلك إلا بالإجابة على السؤال الأصعب: لماذا نحن فاشلون؟

في محاضرة للدكتور مصطفي محمود عام 1985 بعنوان «المستقبل» يتحدث فيها – رحمه الله – عن تنبؤاته للمستقبل فقال إن هناك احتمالين، احتمال الحرب وقال إنها ستكون حربًا مدمرة وذلك للتطور التكنولوجي الهائل للأسلحة والقنابل النووية، وأما الاحتمال الآخر فهو احتمال السلام، وقال إن السلام والرخاء والحياة الكريمة لن تكون لنا بل ستكون للغرب والدول المتقدمة، بل إنهم لن يكونوا في حاجة إلى مواردنا ونفطنا وسيبتكرون وسائل جديدة وطاقة جديدة وستتسع الفجوة بيننا وستكون كالفجوة بين الإنسان والقردة، وسيتركوننا ننهش في لحم بعضنا البعض كالنسانيس على الشجر!، هذه تنبؤات الدكتور منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وها نحن تقريبًا نعيش في «مرحلة النسنسة»، وقد وصلنا لهذه المرحلة التعيسة لأننا فاشلون ومستمرون في الفشل! فلماذا يا ترى؟

هل حقًا إننا نمتلك جينات الفشل؟ وهل لطبيعة الجغرافيا والمنطقة التي نعيش فيها تأثير علينا؟ وهل نحن شعب كسول لا يحب العمل وقدراتنا الذهنية محدودة؟ وهل نفتقد الموارد البشرية والطبيعية؟ وهل نفتقد العقيدة أو الدين أو الرؤية؟، لماذا المفسد عندنا فاشل والمصلح أيضًا كذلك؟ لماذا نحن فاشلون في الهدم وفاشلون أيضًا في البناء، فاشلون في الثورة والثورة المضادة كذلك؟ لماذا نحن فاشلون على كافة الأصعدة والمستويات سواء في العمل العام أو الحكومي أو الشركات الخاصة أو العامة إلا من رحم ربي؟، الحقيقة يا صديقي أن فشلنا لا يتعلق بجينات ولا جغرافيا ولا طبيعة شعب ولا قلة موارد ولا غياب عقيدة وإنما هذه كلها افتراءات ومسكنات نرددها لنهرب من الإجابة الحقيقية على السؤال.

في الكتاب العظيم «لماذا تفشل الأمم» للكاتبين دارن أسيموجلو، وجيمس روبنسون إجابة على أسئلة موضوعنا بشكل كبير من التفصيل، إذ توصل الكاتبان إلى أن نجاح أي أمة ناتج عن امتلاكها مجموعة من المؤسسات أطلقوا عليها المؤسسات الشاملة، وأن فشل أي أمة ناتج عن امتلاكها مجموعة من المؤسسات أطلقوا عليها المؤسسات الاستحواذية، فالمؤسسات الشاملة مؤسسات قائمة على التعددية والحرية والانتخاب وبالتالي الرقابة والمحاسبة، فينتج عنها المنافسة والإبداع والإنتاج، بينما المؤسسات الاستحواذية قائمة على الفردية والاستبداد والاحتكار وبالتالي الفساد والسرقة وغياب المحاسبة فينتج عنها الركود والفقر والتخلف.

الأمم التي استطاعت أن تتحول من مؤسسات استحواذية إلى مؤسسات شاملة دفعت مقابل ذلك حروبًا وثورات وانقلابات والأمثلة كثيرة من العصر الحجري إلى الآن، فهذه القضية يا صديقي هي قصة تاريخ الإنسان، وفي عصرنا الحديث فإن أول دولة نجحت في أن تبني مؤسساتها الشاملة كانت إنجلترا بعد ثورتها المجيدة، ولذلك كانت الثورة الصناعية بإنجلترا وليس غيرها ثم لحقتها فرنسا وغرب أوروبا وهكذا، والآن هم يستمرون في ثورتهم الصناعية التي لم نتأثر بها حتى الآن إلا كمستهلكين، وهكذا تزداد الفجوة بيننا للأسف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, حضارة, سفر
عرض التعليقات
تحميل المزيد