خلال صيف إحدى السنوات القليلة الماضية نجحت في تهريب بضع كتب من رف خالي المغترب والتي لطالما احتفظت بها جدتي واعتنت بها. ومن بينها رواية رشيد بوجدرة «ألف عام وعام من الحنين» كانت أول عهدي بأدب بوجدرة الذي قرأت عنه الكثير ولم تتح لي الفرصة حتى يومها للقراءة له. ومنذ تلك الرواية التي بوّأها «اتحاد الكتاب العرب» مكانًا في قائمة أهم مائة رواية عربية، قرأت الكثير لبوجدرة وتأكد ما قرأت عنه فقد نجح فعلا في التجديد في الأدب الجزائري وفي إحداث قطيعة مع رواية الجيل الأول، جيل بن هدوقة، مولود فرعون، وطاوس عمروش وغيرهم.

يبدو بوجدرة من خلال نصوصه ذات التوجه الماركسي الشيوعي صلبًا وثابت المواقف والآراء، وهو المتخرج بدكتوراه من السوربون الفرنسية. رواياته ذات البعد الفلسفي الوجودي أثارت الكثير من الجدل الذي صاحب جل مسيرته كونه متحررًا من سلطة الرقابة (الفنية، والدينية، والسياسية). وقد تعرض بوجدرة خلال السنوات الأخيرة لعدة هزات مع الإعلام الجزائري أولاها في حصة تلفزيونية بعنوان «المحكمة» حيث أجاب بالإيجاب عن سؤال المذيعة المستفز حين سألته عن حقيقة إلحاده. وأضاف أنه لا يؤمن بالقرآن وأن محمـدًا شخصية ثورية. ما أثار زوبعة من الآراء التكفيرية من جهة والمستعدة لقبوله من جهة أخرى باعتبار حرية المعتقد التي تكفلها القوانين والشرع.

زاد احترامي لبوجدرة الذي بدا لي حينها خارج سرب النفاق المجتمعي، واحترمت أكثر كونه أول شخص يقف من منبر إعلامي ويعلن إلحاده ويعبر عن رأيه دون خوف.

بعد عرض الحصة خرج بوجدرة في خرجة غريبة تمامًا وقلب رأيه 180° درجة، وينكر كل ما قاله حيث صرّح: «طرحت علي المنشطة السؤال التالي: هل أنت ملحد؟ فقلت لها لماذا هذا السؤال، إنها مسألة شخصية خاصة بي، ورفضت الإجابة. وبعد فترة وجيزة طرحت علي السؤال مجددًا، فشعرت بالغضب وأجبت عليها كما ورد في الحصة». ليضيف بعدها: «التسجيل مفبرك ولا يعبر عن أفكاري الحقيقية».

غريب جدًا أن يتبدل رأي الإنسان بهذه السرعة من النقيض إلى النقيض، من ليلة لضحاها، وبعد لحظة تفكير استسغت ما قام به نسبيًا كونه يعيش في مجتمع أحاديّ لا يحتل المرتبة الأولى في احترام حرية الاعتقاد. وبفتوى من إمام مدينة صغيرة قد يجد دمه حلالًا. وهو الذي عاش رعب العشرية السوداء أمام حكم التكفيريين وأصحاب الفتوى الجاهزة.

بعد حوالي سنتين من الحادثة. في رمضان الماضي تحديدًا، تعرض صاحب رواية «التفكك» إلى كاميرا مخفية جرت فيها مساءلته بحضور أشخاص بزي الشرطة في أجواء بوليسية أشبه بمحاكم التفتيش الإسبانية في حصة خارجة تمامًا عن أطر الاحترافية والمهنية. حيث انحرفت فيها الأسئلة عن إنتاجه الأدبي والفكري ومسيرته المشرفة كالروائي الجزائري الأكثر مقروئية في العالم. وتحولت إلى مساءلة دينية، هل هو مسلم؟ هل يصلي؟ ثم يأمرونه بنطق الشهادة. في مشهد مخزٍ ولا إنساني لهؤلاء (الصحفيين). بدا بوجدرة ضئيلا في كرسيه، مترددًا جدًا، وخائفًا على حياته. يردد الشهادة أكثر من مرة ويقوم بما يُطلب منه على مضض لكن دون مقاومة.

انتهت الحصة بانفجار بوجدرة على كل الحضور بعد معرفته بأنها كاميرا مخفية، يصيح «قيلوني، قيلوني» أي دعوني وشأني.. يشتمَ الكل ويغادر متوعدًا برفع دعوى قضائية.

مباشرة بعد عرض الحصة، تباينت ردود الأفعال بين التكفيريين الذين شمتوا في العجوز السبعيني وبين من وقفوا معه من باب الإنسانية من جهة ومن باب احترام مسيرة أدبية جاوزت الـ50 سنة. وبعد أيام قليلة نظم العديد من المثقفين رفقة بوجدرة وقفة مساندة  أمام سلطة ضبط السمعي البصري وعرفت النجاح.

بعد مرور تلك العاصفة بأشهر قليلة، ظهر بوجدرة في حوار على موقع اخباري يتهجم فيه على الروائيين الجزائريين كافة، ويستثني نفسه منهم. ومن بينهم من سانده في محنته، أمثال كمال داود صاحب الرواية ذات الصدى العالمي «ميرسو.. تحقيق مضاد» ووصفه بمنفصم الشخصية واتهمه بالدفاع عن «ميرسو» بطل رواية «الغريب» ذي الموقف المعادي للاستقلال وهو الأمر الخاطئ تمامًا. وأمين الزاوي  الذي وصف رواياته بالمليئة بالأخطاء وبوعلام صنصال. تصريحات اعتباطية وظالمة. ثم أظهر نفسه في ثوب الضحية تجاه أدباء جيله الذين تارة وتجاه دور النشر الجزائرية بالعربية تارة أخرى. ثم عاد ليظهر نفسه في ثوب الروائي الأوحد.

ثالثة الأثافي أنه أنهى الحوار بعد كل هذا بشكر شقيق الرئيس ومستشاره السعيد بوتفليقة على دعمه متناسيًا كل من وقفوا معه عداه!

بعد قراءة الحوار الأخير يتبين أن بوجدرة يعض بالفعل اليد التي امتدت له وقت حاجته، ويظهر أنه هناك شخصان في رشيد بوجدرة. رشيد في نصوصه: أهم روائي جزائري، واثق وذو مبادئ وشرف للرواية الجزائرية. وبوجدرة الشخص الذي لا يختلف عن كثير من المثقفين الجزائريين الذين يمتهنون مداهنة من لهم فيهم مصلحة، والطعن من الخلف بعدها. ويمارسون الأدب كالتجارة. فالأهم هو أن يكونوا في دائرة الضوء دائما كأنهم -كما يصفهم أحد الأصدقاء- نباتات متسلقة في سباق محموم للقمة، والوسيلة لا تهم!

أخيرًا، ليس دعمنا لرشيد بوجدرة دعمًا لشخصه حصرًا. بل يتعداه وينسحب على كل إنسان تعرض لما تعرض له. وتلك الوقفة لا تمثل التيار اليساري أو اليميني أو أي حزب بل هي وقفة مع الحريات ومع كرامة الانسان. هي وقفة في وجه صحافة تدخل في تفاصيل تفاصيل حياتك وتنبش فيها في سبيل زيادة نسبة المشاهدات وإضحاك الجمهور على مائدة رمضان. ما لم يدركوه أن رداءتهم لم تعد تضحكنا بعد الآن ما دام الأمر بعيدًا المهنية ويمس الجزائري في نفسه وعرضه وحرياته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد