(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا).

حينما أفكر لم قال الله عز وجل أن ندعوه بأسمائه الحسنى، أنت مثلًا حينما تحب أن تستحث خلقًا معينًا عند شخص ما تناديه بتلك الصفة فتقول: (يا محترم)، في العادي أنت تناديه بـ( يا محمد) لكنك دعوته بالمحترم كي تذكره بتلك الصفة في نفسه، لكن الله ليس بحاجة أن تذكره، الله ليس كالبشر وليس بحاجة لأحد أن يستحث صفة به كي يقوم بتبعاتها، لسنا نقول: (يا رحمن) كي يتذكر الله عز وجل رحمته، هو يغدق علينا كل ثانية بها بالفعل، أسماء الله هي ذاته وليس صفات يمكن أن ينساها أو في كل لحظة غضب يتخلى عنها.

الفكرة هنا أن الله ثابت لا يتغير لذلك حينما يقول إن اسمه (الكريم)، (العدل) فليس هناك احتمالية أن يكون بخيلًا أو ظالمًا لأن ليس هناك ظرف يغير إرادته ولا زمن يجري عليه فيتغير حاله، لكن يبقى السؤال لمَ لا ندعوه باسمه فقط (الله) ونحن ضمنيًّا نعلم أن (الله) تعني الرحمة والحكمة والعدل؟ إنك حينما تقول ( يا الله) فأنت تقول أسماءه الحسنى بالفعل.

لكن الفكرة هنا إنك تذكر نفسك. حينما تذنب كثيرًا لدرجة تكره فيها نفسك وتيأس من إصلاحها ثم تدعو وتقول (يا غفور) فإن الاسم يرد عليك، لست تستعطف الله باسمه لكنك تملأ كل ذرة منك برحمته فتشعر أنه غفر لك وأنه سيعينك أن تتغير، حينما تدعو (يا هادي) فأنت تذكر نفسك أن ما أنت عليه من العلم ليس بيدك وأن الله قادر في أي وقت أن يمتص نوره من قلبك، أذكر في يوم أنني تحدثت مع فتاة وكانت تعاني من حيرة شديدة، كل هذا الكلام عن الأديان والإله وفكرة وجوده من عدمها أربكتها خاصة أنها قرأت وسمعت كلامًا كثيرًا وعكسه.

كنت أفكر أن العلم شيء والحكمة شيء آخر، أنت يمكن أن تعرف كثيرًا لكن يمكن في أي لحظة أن تفقد القدرة على الربط بين ما عرفته، لم يعد هناك منطق يقنعك وكلما توغلت زادت الدنيا تشابكًا وظلمة، الكثير يخافون أن العلم قد يزيدهم ربكة وشك وأن الأفضل أن لا نفكر في أسئلة قد لا نجد إجابات عليها فنشك ونضيع، لكني سمعت قولًا أعجبني جدًّا، لو كان الإيمان يفعل ذلك فلما يقول الله في آية وأخرى (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)، (آيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).

ما أراه هنا هو أمر وليس مجرد حث على التفكر الذي هو في لغة العرب أعمق وأوسع من التفكير، يعني مثلًا حينما تنظر للشمس لست فقط تفكر بها ككائن عظيم من النور والحرارة، بل تربطها بالزمن وبالموت والحياة وبفكرة اختفائها في عالم وظهورها في عالم آخر وبتأثيرها في الأجساد الحية. أنت تستحث عقلك أن يتخيل أبعادًا لم يعتد على رؤيتها ويعمل بكامل قوته كي يصل للحقيقة.

لكن الفكرة هنا أن الحقيقة هي أعلى مراتب التفكير، ولأنها عالية لا بد أن تستخدم سلمًا للوصول إليها، ما معنى سلم، هو درجة فوق الأخرى، سؤال تجيب عليه ثم تنتقل إلى الآخر وهكذا، لا يمكن أن تصل للحقيقة بقفزة أو بضربة حظ، لو نظرت لقصة سيدنا إبراهيم الرجل الأكثر شهرة في التاريخ بقصة وصوله للإله وحتى يسمون أتباع فكره بالديانات الإبراهيمية (الديانات السماوية) ستجد أنه كون فكرة منطقية عن الإله.

هو شيء عظيم لا يقدر عليه أحد، لا يمكن أن يأتي من يزيحه أو يغير عليه، فماذا فعل، تأمل في موجودات الكون (معطيات التفكير) وأخذ يبحث عن أكثر الكائنات عظمة فوجد كوكب في السماء، فقال هذا ربي، فلما ذهب الكوكب قال لا يمكن أن يوجد الإله في مكان ثم يختفي، ثم وجد القمر فقال هذا أكبر، فلما ذهبت – تأمل ماذا قال– (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)، لقد أدرك أن القدرة على الهداية أو الوصول شيء لا يقدر أن يكتسبه بالعلم والتفكير فقط وهذا مهم إدراكه جدًّا أثناء بحثك عن الحقيقة، ولهذا يظهر اسم (الهادي) لأنك يمكن أن تظل عمرك كله تتساءل لكنك لا تجد إجابات أو لا تعرف كيف تربط بينها.

فدائمًا تجد من يبحث عن الحقيقة يهمس من قلبه (أيها الحق الذي ابحث عنه، اهدني إليك)، هذا حال دائمًا من يبحث عنها بغير عند ولا يأس وبإرادة حقيقية لإيجادها، فكانت مكافأة سيدنا إبراهيم أنه حينما أكمل تفكيره وتأمل الشمس، قال هذا ربي هذا أكبر، فلما ذهبت أنارت حقيقة بداخله (وتأمل هنا أن سيدنا إبراهيم وصل للحقيقة بعدما تأمل الشمس التي هي مصدر النور وليس القمر ولا الكوكب وربما كان في ذلك معنى أن النور المنطقي الذي يليه هو نور الخالق)، فقال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، كان يصعد السلم ويجتهد ولكنه في كل ذلك يرتكز على اسم (الهادي) الذي أخذ بيده وأوصله للحقيقة.

 

بازل

حينما تفكر في اسم (الملك)، معنى الملك في لغة الناس هو الذي تهابه وتطيع أوامره، فإذا كنت تحت طوع مدير مباشر في العمل ثم أتى رئيسه وأمرك بشيء ثم أتى رئيس المنظومة وأمرك بشيء فالطبيعي أنك تطيع الرئيس الأكبر، لذلك حينما تدعو (الملك) ومعها لام التعريف فأنت قد محوت من تفكيرك ما عداه من ملوك، كلهم نكرة وهو وحده (الملك) الذي تعترف له بالطاعة والاستسلام لما يأمر به.

هناك دعاء أحبه كثيرًا لأني أشعر فيه بمدى الخضوع لله، (ربنا ما عصيناك استهانة بعظمتك ولكن سولت لنا أنفسنا)، هذا الدعاء كي تمحو كل أثر لكبر العصيان في نفسك وتظهر الأدب مع الخالق عز وجل، حينما تنظر لاسمه (المهيمن) معنى ذلك أن كل شيء في الكون تحت هيمنته، لا يمكنك أن تفر منه، لا يمكنك أن تتمرد عليه لأن قلبك وعينك ويدك هو خالقها، كيف تتمرد عليه بما هو ملكه، وبالتالي فأنت تعرف أنك مهما فعلت فأنت داخل ملكه، ربما كانت تلك الفكرة تضايقك وتشعرك بالقيد، لكن حينما تربطها باسمه (الرحمن) (العدل) (الرزاق) (الحفيظ) (القيوم) فنفسك تشعر بالاطمئنان وتحمد الله أنه هو الله وليس غيره، لذلك فأسماء الله الحسنى لا بد أن تحصيها جميعًا وليس جزءًا منها فحسب كي يكتمل فهمك لمعنى (الله).

الله (النور)، حينما أنظر لبعض الأديان أجدهم يقولون إن الله متمثل في النار، وهناك من يقول إنه إنسان تحيطه هالة من النور، وأنه متمثل في الشمس، تعجبني فكرة أنهم يربطون الإله بالنور بصرف النظر عن التأويلات، دائمًا تجد النور يبدد الظلام، حينما تضيء شمعة في مكان مظلم فإن الشمعة تلقائيًّا تسحب الظلام بداخلها، دائمًا في الأفلام السينمائية وخاصة أفلام الكارتون (الموجهة للأطفال الكائنات الأكثر فطرية) تجدهم يصورون الشر كائنًا أسود مظلمًا فيأتي بطل بسيف يلمع ويقهره، الناس يرتبط في أدمغتها الخير بالنور ليس ذلك فقط بل إنه يسود وينتصر، فأنت حينما تنادي الله باسمه النور فأنت تذكر نفسك أن النور والأمل سيأتي بتبعية وجود وخلود الله.

(قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى).. هو عز وجل لا يفرق معه إنما نحن من يفرق معنا كثيرًا، أن نفهم أسماءه ونناديه بها لدرجة تجعل كل خلية بداخلنا تؤمن بذلك الاسم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )- رواه البخاري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد