هل تقلد وزارة المرأة حكر على النساء

في كل مرة تتصدر الأزمات الإنسانية نشرات الأخبار أو مواقع التواصل الاجتماعي، الأزمة السورية أو اليمنية مثالًا، لا بد أن نرى النساء يملأهن الأسى واللوعة، في مشاهد تفطر القلوب والأفئدة، وكأنه واقع خصّهن بتحمل هم الفقد لفلذات الأكباد والأزواج من جهة، وبمجابهة ما يلي الحروب من أزمات اقتصادية واجتماعية.

وككل عام، يمر اليوم العالمي للمرأة دونما أي اعتبار لحال هؤلاء المستضعفات، في تجاهل واضح من المجتمع الدولي والتقاعس في السعي لإنهاء هذه الأزمات. ولكن، قبل كل شيء، أين هي الجمعيات النسائية في عالمنا العربي؟ أين هي وزارات المرأة؟ أو بالأحرى ما هي الجدوى من مثل هذه الوزارات؟

كثيرًا ما تشدقت أنظمة ما قبل الربيع العربي، وما زالت، بالعناية التي توليها للمرأة والسعي الدؤوب لتفعيل دورها في الحياة العامة، فلطالما رأينا مداخلات سوزان مبارك، وليلى بن علي، وهن يتلين ما قمنا به من مبادرات وإنجازات، ناهيك عن الجمعيات النسوية الكثيرة والعديدة، التي اتخذتها الأنظمة شماعة لتجاوزاتها السياسية والحقوقية، وكذلك لتبيض صورتها أمام المجتمع المدني، فكانت كأبواق دعاية للنظام هي الأخرى، شأنها شأن كل أشكال الدعاية كالمعارضة الورقية والصحافة الصفراء، والتي سرعان ما انهارت عند أول تحد حقيقي، حين وجب فعلًا أن يكون لمثل هاته الجمعيات والمنظمات موقف، إلا أنها اختارت إما أن تنهار مع أنظمتها، أو أن تندثر، مفسحة المجال لأشكال جديدة من الدعاية للأنظمة الناجية من موجة الربيع العربي.

سؤال آخر ما يفتأ يراود المتتبعين للشؤون العربية ولشؤون العالم الثالث ككل: ما دور وزارات المرأة؟ ولماذا وجدت أصلًا؟ ثم لماذا تنفرد النساء بتسيير هاته الوزارات؟ وكأنك تتحدث عن حمام تركي «دُش عمومي».

أولًا: كانت هاته الوزارات من نصيب النساء منذ تأسيسها في معظم البلدان، وكأنه لا يمكن للرجال تسيير وزارة كهذه.

ثانيًا، وجود مثل هاته الوزارات هو شكل من أشكال التمييز على أساس جندري، وهو ترسيخ لقاعدة اللامساواة بين الجنسين، فإذا تحدثنا عن تساوي المرأة مع الرجل، فإن ذلك يفرض وجوبًا إحداث وزارة للرجل. أم هل يكون ذلك لأن النساء فئة مضطهدة في المجتمعات؟ إذًا وجب إحداث وزارات لكل فئة مضطهدة أو أقلية، فمثلًا إحداث وزارة للمثليين، والمتحولين جنسيًا، ولم ليس هناك إحداث لوزارة – أو على الأقل هيئة – للعشبيين.

قد يبدو الأمر لوهلة مثيرًا للسخرية، ولكن ذلك ما سيكون في السنوات القادمة في ما يخص التوجه العالمي نحو الاعتراف بالمثلية جندر ثالث، وخصوصًا أن أغلب الدول تقتات وتعيش من المساعدات الخارجية، فأغلب الظن أن إجراءات قد تفرض فرضًا في هذا السياق وكما كان شعار القرن العشرين هو المساواة بين الجنسين، سيكون شعار هذا القرن هو المساواة بين الأجناس الثلاثة.

من وجهة نظر أخرى، بالمقارنة مع دول راسخة في الديمقراطية، مثل الدنمارك وإنجلترا، لا نجد ذكرًا لمثل هاته الوزارات في زماننا الراهن على الأقل، مع العلم أنها وجدت في الماضي، ولكن تحول اسمها ومهامها، وخاصة أجندتها، إلى توجهات أخرى مثل تنمية دور الشباب والإحاطة بالأسرة، بدل أن تلوك أزمة الجندر أبد الدهر، دون أن تبارح مكانها الذي انطلقت منه منذ أكثر من نصف قرن، وهو شأن بلداننا العربية.

وعليه فإن الأجدر هو إلغاء التسمية على الأقل، ومنه تعديل البوصلة والمسار نحو قضايا راهنة تهم واقع شبابنا المتخبط بين تحديات الحداثة، وما بعدها، وثوابت هويتنا الإسلامية العربية.

أخيرًا، يمكن أن يكون اسم هاته الوزارات على شاكلة نظيرتها الدنماركية «وزارة المساواة»، أو الألمانية «وزارة الأسرة وكبار السن والنساء والشباب»، أو فلتكن في شكل كتابة دول ملحقة برئاسة الحكومة (الوزارة الأولى)، وهو الحال في فرنسا.

إن مثل هذه الرهانات هي لب التجاذبات الحديثة في اتجاه مرحلة ما بعد الحداثة، كما أنه ما تنادي به كثير من ناشطات الحركة النسوية في جيلها الرابع، ولذلك وجب التفكير جديًا في مواكبة عاصفة المفردات لهذه الألفية حتى ندرك ركب العصر بعدما تخاذلنا عن ذلك طيلة القرن الماضي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد