كما جرت العادة، في أوج الانتصارات العظيمة التي يحققها ساستنا، تطلُّ بعض الأصوات النشاز التي تأبى إدخال البهجة على المُهج، وتسعى إلى إطفاء جذوة السرور ونشوة انسياب العواطف الجياشة التي ينثرها أرباب القرار في كل زاوية وحيٍّ وشارع، لتعلن احتكارها منطق الواقع الذي لا يهوى اختراق حاجز النفس التي أرهقها تكرار الأحداث والأشياء والأشخاص، في المشهد نفسه والسيناريو نفسه، بل الكلمات نفسها البرَّاقة التي لم تعد تحمل من صفاتها سوى تشابه الحروف والمصائر، التي يعتاش على نسجها كلٌّ من أولئك المنسيين المُلقَينَ على هامش الماضي والحاضر والمستقبل؛ في أزقَّة المخيمات وأروقة الأمنيات، وأولئك الذين يتصدَّرون ساحات «النضال» في الفضائيات وأمام أضواء الكاميرات!

وبين كِلا الضدين الغارقين في أوهام المستقبل المشرق تأميلًا وتأملًا، وانسياقًا مع حالة الانصياع للواقع الذي وجدنا أنفسنا جزءًا من كينونته؛ دون أن نختار أو نُخيَّر، وإحقاقًا لمنطق العجز الذي يكبَّل القلب واللسان واليد، نجد أنفسنا راغبين أو مُرغمين على ممارسة الفريضة التي أُورثناها، ألا وهي الانتظار، حتى وإن كان انتظار اللاشيء قهرًا، فالقهر مع مرور الوقت يصبح مثل كأس القهوة في الصباح؛ مجرد عادة لا طائل منها سوى تكرار الاعتياد على مرارة الطعم، كما اعتدنا على سماع أصواتهم، وترديد شعاراتهم، والدفاع عن أخطائهم التي نراها جهارًا نهارًا، لا لشيء إلا لأنَّا ألِفناهم، كما ألِفنا كلَّ أخطائنا وأهوالنا وأحوالنا التي أردتنا أسفل سافلين، متذرعين بالظروف والاحتلال والانقسام والتآمر، وأيِّ شيء سوى عجزنا!

ولكن، بما أنه لا يلوح بالأفق من هو أجدر من ساستنا وأقدر؛ حتى أولئك الممتهنون لحرفة الاعتراض ومبارزة إطلاق الشعارات والاتهامات، في جدليتهم التي لا منطق فيها سوى «خُلقنا لنعترض»، فما الذي يمنعنا من تصديق ولاة أمورنا والتفاعل معهم هذه المرة؟! لعل الأمر يجدي، ونستطيع اختراق هذا الحاجز اللعين، ونحتفي بإنجاز الأمر معًا، فاليأس بادٍ على وجوههم، وهناك ما يبعث على التفاؤل؛ بعض القرارات الجريئة، وتصدُّر بعض الوجوه «الجديدة»، وشيءٌ من الشعارات الحماسية، والأهم أنه ليس لنا خيار آخر سوى أن نعيش معهم التجربة، فنحن وإن أبدينا اعتراضًا أو تحفظًا على ممارساتهم، فإننا لا نملك ساسة غيرهم.. أنأتي بأُناس من المريخ كي يحكموننا؟!

أولم يقل: «كما تكونوا يولَّى عليكم»، نحن إذًا مثلهم مخطئون ونتحمل معهم جزءًا من أعباء الواقع الذي وصلنا له، حتى وإن كنا محض أطفال حين قرروا أن يتخلوا عن ثوريتهم وتضحيات من وهبوا أرواحهم في سبيل ما اعتقدوا أنه طريق للتحرير، ليخلف من بعدهم قوم ضلوا الطريق، وتركوا السلاح، وآثروا خوض معترك السياسية، دون امتلاك أدنى مقوماتٍ أو أدوات يحققون ما يسعون له، سوى بعض «التكتيكات» السياسية التي كانوا يومًا ينبذونها، والتي أوردتنا المهالك، وحصرتنا في دائرة لم نستطع الخروج منها، وأورثتنا إرثًا عمَّق أزماتنا، ولم نعد نعرف أنلقي باللوم على هذا الفصيل أم ذاك أم على الاحتلال، أم نلقي باللوم على اللوم نفسه!

إن أسوأ ما يمكن أن يحدث للأشقَّاء أن يخوضوا معارك بينهم تستنزف طاقاتهم، وتفني أعمارهم، وتهدر إمكانياتهم وقدراتهم، ثم ما يلبثون أن يدركوا أنهم لم يخوضوا سوى معارك وهمية، لا طائل منها ولا فائدة فيها، وإن الأسوأ من ذلك أن يعودوا لما نُهوا ويُنهون عنه، وهو ما حدث ويحدث في كل مرة يحاول فيها الطرفان أن يردموا فجوة الفرقة التي أنهكتهم وشعبهم. وفي كل مرة يعاد فيها فتح ملف المصالحة، ويعاد سيناريو الفشل المتكرر نفسه، ينطلق السؤال المؤرِّق حول السبب الحقيقي وراء الفشل؟ أهي المصالح الخاصة أم اختلاف البرامج والتوجهات؟ أم التدخلات الخارجية؟ أم عدم الرغبة في إغلاق الملف؟ أم شيطان التفاصيل؟ أم أن القدر لا يريد لنا أن ننتهي من هذه الطامّة الكبرى؟!

تقول الأسطورة إن الصدق والكذب التقيا من غير ميعاد، فقضيا معًا بعض الوقت، حتى وصلا إلى بحيرة ماء، فقاما بالسباحة بعض الوقت، وفجأة خرج الكذب من الماء، ثم ارتدى ثياب الصدق وولى هاربًا واختفى، فخرج الصدق من الماء غاضبا عاريًا، وبدأ يركض بحثًا عن الكذب لاسترداد ملابسه، فلما رأى العالم الصدق عاريًا أدار نظره من الخجل والعار، وما كان من الصدق من شدة خجله من نظرة الناس إليه إلا أن عاد إلى البحيرة واختفى هناك إلى الأبد، ومنذ ذلك الحين يتجول الكذب في كل العالم لابسًا ثياب الصدق، والعالم لا يريد بأي حال أن يرى الصدق عاريًا.

تلك هي الكارثة الكبرى، أن يصل المرء إلى مرحلة لا يستطيع التفريق فيها بين الكاذب والصادق، فيجد في نفسه مسوِّغًا لاتِّهام الجميع، حتى نفسه، كي يحافظ على بقايا ما في النفس من صدق.

لذا لن نصدقهم، حتى وإن «كانوا صادقين هذه المرَّة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد