لماذا نكبر؟ سؤال وجودي وملح أطرحه على نفسي كلما وقعت في ورطة بعالم الكبار الذي أصبحت أنتمي له دون قصد، تم إغوائي وجذبي إليه، بأنه العالم الذي سأعرف فيه إجابات جميع الأسئلة التي ظللت أطرحها على نفسي وأنا صغيرة بل وحتى على الكبار الذين إما تجاهلوها، وإما أجابوا إجابات تزيد الأمر سوءًا وتولد أسئلة أخرى.

كنا في الصغر نظن أننا عندما نكبر سنصبح سعداء وسنحصل على الحلوى التي نريد، وسننام متى نريد ولن يتم إقصاؤنا من المحادثات التي يتحدثها الكبار متحججين بصغرنا وأننا لن نفهمها إن عرفناها، ولن يتم منعنا من مشاهدة برنامجنا المفضل على التلفاز حتى وقت متأخر من الليل، وسنحصل على كل الممنوعات.

ولكننا نكبر لنتصدم بالواقع، نكبر لنتمنى أن يوقفنا أحد،فيمنعنا من الحماقات التي نرتكبها ومن الأعذار التي نبرر بها تلك الأفعال، نتحكم نحن بزمام الأمور ونرغب عندما نمل من ذلك بطرحها بعيدًا وتسليم دفة القيادة لشخص آخر، ونرغب في أصعب اللحظات أن يعتني بنا أحدهم ويزيح عن كاهلنا المسؤولية التي لطالما رغبنا بحملها، ولكن يكون قد فات الآوان لاسترجاع الأمنيات التي كنا نتمتم بها كل ليلة بعد أن نمنع من شيء رغبنا فيه بشدة!

هل يتحرك القمر أم نحن؟ هو سؤال كل رحلة نذهب بها بالسيارة، ولماذا تلاحقنا الشمس يا ترى؟ ماذا فعلنا؟

ذلك الشعور بأننا محور الكون، يدور كل شيء فيه من أجلنا، يدور العالم الذي اقتحمناه بقوة لنا، تلك التفاصيل الصغيرة، والتي تثير ريبتنا في هذا العالم الجديد، ولا يغدو ما يثير ريبة الكبار غريبًا بالنسبة لنا؛لأن هذا العالم غريب بما فيه الكفاية لنا. يمل الكبار من أسئلتنا، ولكم هم مملون، دائمًا حزينون، ونتساءل في داخلنا عن أسباب حزنهم، لماذا يحزنون وأمي ستطبخ لي حلواي المفضلة، لماذا يحزنون وأبي قد وعدني بالذهاب في نزهة، ومعلمتي قد أشادت بي أمام الفصل، وجعلت الجميع يصفق من أجلي، وقناة سبيستون ستعرض كل الحلقات لمسلسلي الذي أحبه، ورمضان سيحل ضيفًا علينا ومن بعده سيأتي العيد ونقتنع بذلك بعد أن نهلك أهالينا بالأسئلة عن الكيفية التي سيدخل بها العيد، وإن كان ليس شخصًا فكيف سيتسلل بيننا؟ لماذا كل هذا الحزن؟!

ترتاح ذواتنا الصغيرة حجمًا الكبيرة في نفسها، بمعرفة بأنه ليس من الضروري أن كل ما يحدث يحدث لسبب، ولكنه حدث وهذا يكفي، لا نفكر كثيرًا فيما قد يفعله الآخرون،بل نحن السبب والنتيجة، نتحمل ما اقترفته أيدينا، وعندما نفكر بأمر نظن أن كل شخص يعرفه، أو عندما نخفي شيئًا، عندها نعلم جيدًا بأنه لن يكتشف من قبل أحد ما.

تلك الثقة العالية بأنفسنا، وبالعالم تكفي أن تعطي دروسًا للكبار الخائفين .

يقولون إن الفيلسوف هو من يطرح الأسئلة وكذلك كنا، ولكن سرعان ما كبرت الهموم واتسعت رقعتها وزادت مسؤولياتنا، وأصبحت أحلامنا التي تلامس النجوم بعيدة، وحتى النجوم اكتشفنا أننا لا نستطيع الوصول لها إذا صعدنا أعلى مبنى في المدينة، كبر عالمنا الصغير، وزادت المشتتات التي ظننا إن نحن حزناها سنشعر بأننا امتلكنا الدنيا، ولكن ذلك لا يحدث في كل المرات، والسعادة التي ترافقنا بالحصول على ما نريد قد اختلف مفهومها وتبدل، فأصبح أقصى ما يمكنك حيازته هو الرضا.

لم يعد الفضول يحثنا على المعرفة، بل أصبحنا نؤمن بأنها هي من تجلب التعاسة، وعبثية الفائدة التي تعود علينا منها علي أية حال، فنأخذ كل شيء على محمل بديهي، ندفن الفيلسوف داخلنا فلا يعود يطرح شيئًا، بل يأخذ وحسب.

لا نستطيع الجزم بأن كل من كبر قد أصبح في تعاسة مدقعة، فالحنين إلى الماضي يتملك الشخص ويجعله يشعر بأنه كان سيكون أفضل لو ظل فيه، الماضي الذي كان يدفعه للأمام ركضًا ليلاحق المستقبل الذي يرتقب فيه تحقق أمانيه العظيمة، بل من كبر وفهم الحياة واستوعبها، صحيح لن تتلاشى التعاسة من حياته مطلقًا ولكن سيتحاشاها بحكمة.

وسواء أكنا صغارًا أم كبارًا يشعر بالسعادة فقط أولئك الذين علموا بأنها تنبع من الداخل، والذين شيدوا مع مضي الزمن حاجزًا من الدنيا، يمنعهم من الدخول عميقًا بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد