لم نعد نشعر بالبهجة عند حلول شهر رمضان كما كنا في الماضي، ومع مرور السنوات أصبحت هناك جملة شهيرة نستمع لها من جميع الأعمار تقريبًا بما فيها حتى الأجيال الصغيرة “مبقناش نحس بفرحة رمضان زي زمان كل حاجة اتغيرت خلاص”، لماذا كانت نظرتنا لرمضان في الماضي أجمل والآن فقدنا كل ذلك؟ ما السر وما التغيير الكبير الذي حدث فأثر بالشعور الجمعي للمجتمع بأكمله وجعله يتفق على شيء واحد؟


هل أصبحت التكنولوجيا السبب؟ لمة العيلة، الطقوس الدينية، العادات الاجتماعية، أغاني رمضان، الفوازير، زينة رمضان، المسحراتي، الفوانيس والخيمة الرمضانية، أين ذهب كل هذا؟ وما الفرق بين رمضان “زمان” و”رمضان 2015″؟ سنحاول في تقريرنا التالي البحث عن إجابات ربما نجدها.

 


 

عند سؤالنا لماذا تغير رمضان ولماذا لم نعد نشعر به؟ جاءت إجابات البعض متشابهة إلى حد كبير ورأوا أن السبب الرئيسي في ذلك هو التكنولوجيا، فكانت في الماضي التجمعات العائلية والجيران والأصدقاء أكثر وجودا لالتفاف الجميع حول شاشة التلفاز بحيث قلة عدد القنوات التلفزيونية المصرية، والتي كانت تتمثل في القناة الأولى والثانية فقط.

 

فكانت البرامج والمسلسلات الرمضانية قليلة وهادفة والفوازير كانت تمثل وجبة رئيسية فنية متكاملة فكان هناك كل شيء يدعو للشعور بلذة الأجواء حتى من قبل بداية رمضان أما الآن فتغير الحال كثيرا، أصبحت هناك وفرة في المسلسلات والقنوات والبرامج وتشابهت الأشياء والموضوعات وفقدت معانيها ورسائلها وأهدافها وقليلا ما يوجد عمل مميز ويستمر بتذكره الناس باختلاف الزمان، فما زالت الأعمال محفورة في الأذهان المصرية وتربت عليها أجيال مصرية عديدة.


أيضا اختلاف في وقت الإفطار فكنا في الماضي نستمع إلى أحاديث الشيخ الشعراوي وقصص الأنبياء أما الآن لم يتبق سوى صوت الشيخ محمد رفعت في تلاوة القراّن الكريم، حتى إن عدد المُصلين قل عما قبل وانصرف الكثير للجلوس على المقاهي.

 

كان رمضان في الماضي يمتاز بالبساطة في كل شيء حتى في الزينة والفوانيس، ربما كانت مظاهر السعادة قليلة لكنها كانت حقيقية، حتى إن الشهر ذاته أصبح الناس يهتمون فيه بالطعام برغم أنه شهر للصيام فيعدون له بشكل مبالغ فيه! أيضا جاء رأي البعض الآخر أن سبب التغيير هو تغير الناس أنفسهم للأسوأ واختفاء روح التعاون وحب الخير لبعضهم البعض بالإضافة لتغير الأجواء العامة وأحوال البلاد أيضا، السياسية والمناخ الاجتماعي والحالة الاقتصادية التي يعيشها المجتمع بأكمله.

 


 

قالوا عن لمة العيلة

 

انقسمت هنا الآراء ما بين مؤيد لاستمرار وجود لمة العيلة لكنها قلت بنسبة ما، وبين مختلف مع وجودها ويرى أنها اختفت لأن الناس لم يعودوا كما كانوا في الماضي؛ لأن التكنولوجيا أثرت علي ذلك والتي ساهمت في اقتصار التهاني والمعايدات الإلكترونية عن طريق الفيس بوك والواتس آب، كما أرجع البعض الآخر سبب تراجع الزيارات العائلية إلى تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية وزيادة الأسعار بشكل عام لعدم إمكانية تحمل أعباء تكلفة الموائد الرمضانية، كانت العائلة تجتمع غير مهتمة لأي شيء سوى الاستمتاع الحقيقي والمزاح والأحاديث الشائقة، أما الآن فكل فرد منشغل بهاتفه وتصفح الإنترنت.

 


 


 

قالوا عن الطقوس الدينية

 

ربما الطقوس الدينية مازالت مستمرة كصلاة التراويح وتلاوة القرآن وصلاة الفجر بالمسجد، لكن اتفق العديد على وجود اختلاف فعلى سبيل المثال لم يكن في رمضان الماضي صلاة التراويح للنساء أما السنوات الأخيرة أصبح انتشارها أوسع، ذكر البعض أن صلاة الفجر أحيانا قلت أعداد المُصلين فيها نظرا للانشغال بالسهر ومشاهدة التلفاز بالإضافة إلى إلغاء أصوات مكبرات الصوت في المساجد وهذا أمر جديد لم يكن موجودًا، وبالطبع يؤثر على الروح الرمضانية والإحساس بالخشوع.

 


 

العادات الاجتماعية زمان والآن

 

“زمان” كان الناس على درجة أكبر من التواصل والود فيما بينهم، وكان الجيران والأهل يجتمعون باستمرار، حتى المأكولات والمشروبات الرمضانية كانت ذات طعم خاص مثل قمر الدين والمشمشية والبلح باللبن والكنافة والقطايف وغيرها.

 

“الآن” التكنولوجيا قتلت جميع أنواع التواصل وأصبحت التهاني بدون روح، وأصبح كل شيء إلكترونيًا سخيفًا ولم يعد هناك اتصالات تليفونية مثل قبل ذلك، ربما مازال البعض يحرص عليها لكنها بالمقارنة بما كان من قبل فبالتأكيد لم تعد موجودة وأصبح اليوم يمر كسرعة البرق، والجميع منشغل بظروفه الخاصة.

 



الخيمة الرمضانية والأصالة

 

ربما تناقض الصورة هو ما يتحدث ويعبر عن مدى تغير عادتنا وتقاليدنا في رمضان كانت الخيمة الرمضانية أيضا تجمع عددًا كبيرًا من العائلات التي تقوم بالسحور فيها والاستماع إلى الأناشيد الدينية وحضور فقرات ترفيهية ذات طابع روحاني رمضاني أما الآن فقد تبدلت كثيرا ودخلت عليها عادات لم تكن موجودة كوجود المطربين والغناء والرقص وتناول الشيشة وغيرها من المظاهر التي لا علاقة لها بالشهر الكريم حتى إن البعض عبر قائلا: “لو عايز تاخد ذنوب روح خيمة رمضانية”!






الفوانيس والزينة

 

اختلفت أشكال الفوانيس الحديثة عن الفوانيس النحاس التقليدية، وربما لها زبائنها لكن مازال الفانوس البسيط هو الأساس عند المصريين على الرغم من الابتكار في الأشكال وتصنيعها على شكل شخصيات كرتونية وشخصيات أيضا عامة، أما عن الزينة فهي لم تختلف كثيرا لكنها لم تعد كثيرة كما كان من قبل في الشوارع، ولا أحد يعلم ما هو السبب فكانت الزينة هي من تخبرنا برمضان وقدومه حتى قبل بدايته! أما الآن أصبحت نادرة.

 

 

أهو جه يا ولاد

أهو جه يا ولاد، وحوي يا وحوي،مرحب شهر الصوم، رمضان جانا، هذه هي أبرز الأغاني الرمضانية التي تأتي كل عام مع قدوم هذا الشهر الكريم وجميعنا مازال يحبها ومُتعلقًا بها لأنها كانت جميلة وبسيطة وكانت تعبر بحق عن وجداننا برمضان، كانت أيضا قليلة، كبرنا وقد كبرت معنا وارتبطنا بأصوات مطربيها ولا نستمع إلى الأغاني الحالية فهي لم تعد لها طعم ومتشابهة وكثيرة وتقليدية وقد صارت تشبه الكليبات المعتادة، بعكس مشاهد الأغاني القديمة التي كانت تعكس الروح الحقيقية لرمضان وهذا الوقت، هكذا عبر من تحدثنا إليهم.

 



شريهان ونيللي وفطوطة وعمو فؤاد وبوجي وطمطم وبكار! أين ذهبوا؟

مما لا شك فيه أن أجيالًا وأجيالًا تربت على جيل الفنانين العظماء والذي يصعب تكرارهم مرة أخرى، وقد حفروا في قلوب المصريين الكثير من المتعة والرقي وحب الفوازير والتي كانت تتمتع بالمصداقية والإبداع الفني واحترام عقول المشاهدين، كانت تحمل البهجة والسعادة والضحكة والمعنى والرسالة والفن والبساطة، وكان يحمل اسم فهمي عبد الحميد ماركة مسجلة لفوازير رمضان، والذي يعد من أوائل المخرجين الذين قاموا بإدخال التقنيات الفنية الحديثة وتطور عناصر الخدع البصرية والصور المركبة، كانت شريهان ونيللي وفوازير بوجي وطمطم وعم شكشك وغيرها من تلك الأعمال هي الأيقونة الفنية لهذا الشهر.

ظهرت بعد هذا الجيل ومع مرور السنوات محاولات كثيرة لنجوم أيضا مشهورين منهم الفنانة دينا ولوسى وجيهان نصر وميريام فارس ومحمد هنيدي، كلها أعمال تستحق احترام المحاولة ولكن لم يأت إلا فوازير ألف ليلة وليلة وعمو فؤاد وفطوطة! وهذا أيضا لم يختلف عليه أحد.

 



أما بكار صديق الأطفال والكبار المميز والذي أبدعت فيه المخرجة منى أبو النصر كان له التأثير الأكبر في نفوسنا، بكار ومعزته الشهيرة رشيدة وحسونة وأم بكار وصوت منير النوبي العذب الذي طالما يذكرنا بتلك الأيام الرائعة، وعند سؤالنا للبعض هل ستتابعه مرة أخرى إذا تم عرضه فوافق البعض، ورفض البعض الآخر معللا وجود سنوات كثيرة قد مرت وفقد كل شيء معناه، بالإضافة أن صناع بكار الرئيسين لم يعودوا موجودين والتكنولوجيا التي ستتدخل فيه ستغير معالمه، وسيخرج شخصية كرتونية مختلفة عن بكار الأصلي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اصحى يا نايم

اصحى يا نايم وحد الدايم، تلك هي جملة المسحراتي الشهيرة والذي كان من العلامات الرئيسية لشهر رمضان، اعتقد البعض أن سبب اختفاء المسحراتي هو حفظه لسكان العمارات القديمة نظرا لقلة عددهم فكان ينادي على من فيها بسهولة ولارتباطه بهم الدائم “أنا عن نفسي كان عم جبريل كل يوم يصحيني وأنا في 3 إعدادي دلوقتي عم جبريل مش عارف أسامى عياله من كترهم هيصحي الناس إزاي الناس بقت 10 أضعاف زمان”، وهذا ما قاله لنا أحمد أحد المواطنين، فيما قالت “نور”: “كان المسحراتي يعتمد على الأطفال ويأخذ شيئا ماديا بسيطا وينادي على أساميهم، أما الآن أين الأطفال التي تهتم بهذا، فجيل الأيباد والأيفون لم يعد يعلم شيئا عن هذه العادات القديمة والجميلة بكل أسف”.

أيضا كان دور المسحراتي أن يوقظ الناس من نومهم حتى يقوموا للسحور والصلاة، لأن الحياة كانت أكثر هدوءا ولم تكن بمثل هذا الصخب، كان الجميع ينام بوقت مبكر، أما الآن فالغالبية العظمى تظل ساهرة حتى الصباح، إذن فلم المسحراتي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, رمضان, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد