يقول كارل سيغن: «لقد كونّا حضارةً عالميةً تعتمد أهم عناصرها بشدةٍ على العلوم والتكنولوجيا، هذه وصفةٌ للكارثة، قد ننجو من ذلك لفترة، لكن عاجلًا أم آجلًا، سينفجر في وجهنا هذا المزيج من الجهل والسلطة».

لا يخفى على عاقل أنّ مستقبل الأمم مبني على العلم، لذلك فإنّ الأنظمة التعليمية في الدول المتقدمة تتجه إلى الاهتمام بتعليم البرمجة للأطفال، وذلك بإدراجها كمادةٍ أساسيةٍ موازيةٍ لأهمية المهارات الأساسية الثلاثة «القراءة، والكتابة، والحساب».

شئنا أم أبينا، فإنّ هذا هو الواقع، حيث أصبحت البرمجة موجودةً في أدق تفاصيل حياتنا، وبناءً على  استقراء وتوقعات الكثير من أصحاب الشركات، والكتاب والمفكرين الذين يساهمون في التغيير، فإنهم يرون أن التكنولوجيا ستغّير شكل عالمنا، وتنتشر أكثر فأكثر، والجيل القادم إن لم يمتلك القدرة والوسيلة لمواكبة هذا التطور، فلن يستطيع التقدم، وهو الأمر الذي لا نريده لأبنائنا أجيال المستقبل.

ويرى الباحثون أنّ مثل هذه المعرفة ليست مهمةً فقط بالنسبة لمستقبل الطلاب، ولكن للقدرة التنافسية المستقبلية لبلادهم أيضًا، ففي إستونيا -المجتمع الأوروبي الأكثر حبًّا للتكنولوجيا- تم وضع محو الأمية في البرمجة بوصفها أولويةً قومية.

كما أن ربع مليون وظيفةٍ شاغرةٍ تجبر بريطانيا على تدريس البرمجة إلزاميًّا، ابتداءً من سنّ الخامسة، وذلك في بداية العام الدراسي 2014- 2015، كما أن البرمجة أصبحت جزءًا من المناهج الدراسية في كلٍّ من فنلندا، وإيطاليا، وسنغافورة ابتداءً من العام الجاري.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، خاطب الرئيس الأمريكي باراك أوباما الطلاب في أواخر 2013 قائلاُ: «لا تكتفوا باللعب على هواتفكم بل برمجوها» لحثّهم على تعلّم البرمجة، وذلك في سياق دعمه لمبادرةٍ أطلقها مهتمون بالتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى رأسهم منظمة «كود دوت أورج» «code.org»، هذه المبادرة التي حملت اسم: «ساعة برمجة» «Hour of Code»، والتي تهدف إلى نشر البرمجة في المدارس وجميع أنحاء العالم، وقد رصدت المبادرة عشرين مليون دولار لتشجيع المدارس في جميع أنحاء البلاد على تقديم دروس تعليمية للطلاب في مجال البرمجة، كما تتضمن المبادرة أيضًا دروس برمجة مجانية، في جميع منافذ البيع بالتجزئة التابعة لكل من شركتي التكنولوجيا الرائدتين «مايكروسوفت» و«أبل».

وفي فرنسا تم إدراج مادة البرمجة كمادة اختيارية في المدارس الابتدائية في سبتمبر 2014.

كما تقوم جمعية المدارس العليا بتطبيق برنامجٍ تجريبيٍ في رياض الأطفال على «البريمو روبوت» «Primo Robot» الذي يشكل مدخلًا للصغار إلى علم البرمجة.

وقد ابتكر الألمان في مطلع عام 2015 في مركز فراونهوفر منصة برمجةٍ سحابية، تساعد على تعليم البرمجة للأطفال والبالغين، ويتم تطوير المنصة بالتعاون مع شركة غوغل وشركة ليغو.

 

 

هل يستطيع الأطفال تعلم البرمجة؟

لقد أثبت العديد من التّجارب قدرة الأطفال على تعلّم البرمجة، وذلك أنّ الطفل لا يملك التّصور المسبق عن الصعوبة والتعقيد في هذا المجال، بالإضافة لصفاء الذّهن وبداية تراكم الخبرة لديه منذ الصغر، كما أن تعلم البرمجة لا يختلف عن تعلم أيّة لغةٍ جديدة، باستثناء أنّ الطفل في البرمجة يتعلم مهارات رائعة أخرى سنتطرق إليها في هذا المقال.

لقد عنيت شركات التكنولوجيا العملاقة بتبسيط المفاهيم للأطفال، ودعم إنتاج تطبيقاتٍ تحوّل البرمجة من التّعقيد إلى اللّعب والتسلية والمشاركة.

ما المهارات التي يكتسبها الطفل من البرمجة؟

  1. تعليم الطفل مهارات التفكير وحل المشكلات

ويقصد بهذه المهارة:

  • تحديد المشكلة أو الهدف.
  • جمع المعلومات حول المشكلة.
  • اقتراح حلول للمشكلة.
  • تقييم الحلول واختيار الأفضل.

حتى لو كنت لا تعتزم اتّخاذ البرمجة كمهنة، فإنّ القدرة على التفكير كمبرمجٍ له قيمة كبيرة، فالأطفال لا يتعلمون البرمجة ليصبحوا جميعًا مبرمجين، ولكن يجب على أيّ شخص مهما كان اختصاصه أن يعرف كيف يبرمج، وهذا ما سيؤدي إلى مواكبة التكنولوجيا في جميع المجالات، تمامًا كالقراءة والكتابة، فالأطفال لا يتعلمونها ليصبحوا جميعًا كتّابًا محترفين أو علماء رياضيات.

  1. دعم الإبداع والثقة وحبُّ التعلم لدى الطفل:

عندما يتعرف الطفل على المتغيرات في الفصل، لن يفهمها أو يشعر بأهميتها كما لو استخدم المتغّير، كعدّاد لحساب النقاط في تطبيقه الذي يبرمجه.

وجد الباحثون أن تعلُّم البرمجة في هذه الأعمار يساعد الأطفال على تحويل المذاكرة إلى تسليةٍ واللعب إلى تعلم؛ فبدلًا من الحفظ تتيح البرمجة للأطفال أن يطبقوا ما تعلموه، من خلال برمجة تطبيقاتٍ مسلّية، وهذا يساهم في إطلاق طاقتهم الإبداعية وتحسين تحصيلهم الدراسي.

  1. التحول من الاستهلاك إلى الإنتاج

إنّ الأطفال اليوم يحترفون التكنولوجيا من خلال الألعاب، والإنترنت وبرامج الدردشة، ولكن هل هذا هو المعنى الحقيقي لاحتراف التكنولوجيا؟!

إن كلمة الجيل الرقمي لا يجب أن تطلق على الأطفال الذين يقضون الساعات في استخدام تلك البرامج، دون أدنى معرفةٍ عن كيفية إنشائها، وتعليم البرمجة لهم هو ما سيدفعهم إلى التفكير بإنتاج برامج تعبّر عنهم، وتحولّهم من ثقافة الاستهلاك إلى الإنتاج، في عالم يتفوق فيه من يمتلك صناعة التكنولوجيا.

  1. الاستمرار، وإصلاح الخلل والمثابرة في مواجهة الإحباط

يتعلم الطفل البرمجة من خلال تطبيقاتٍ مخصصة وليس بشكلٍ أكاديمي، وخلال تطبيقه المباشر وإنشائه لمشاريعه؛ فلا بد أن يوجد أخطاء أو خلل في مكان ما، ولكن بسبب متعته في برمجة التطبيق وفكرته التي يتبناها، سيواصل ذاتيًا لإيجاد الأخطاء وإصلاح الخلل ليعزّز ثقته وشعوره بالإنجاز.

  1. وسيلة للتحكم بالآلات

البرمجة هي لغة التخاطب مع الآلات، والتحكم بالآلات هو مقياس القوى العظمى، وقد تم ابتكار العديد من الروبوتات التي يتعلم الطفل أثناء برمجتها مبادئ التحكم بالآلات.

  1. يعد نفسه للوظيفة ذات المرتبة الأولى والدخل الأعلى:

حسب العديد من الإحصائيات الحالية والاستقراءات المستقبلية، من الجيد أن تعلم أنّ البرمجة تتصدّر قائمة الوظائف ذات الدخل المرتفع حول العالم، ويرى الباحثون أن الطلب على الاختصاصات المتعلقة بعلوم الحاسب سيزداد في السنوات المقبلة.

  1. مهارة العمل الجماعي

تعليم البرمجة للطفل يبعده عن الانطواء والإدمان، عكس استخدامه للألعاب ومشاهدته للتلفاز، وعادة ما يتم دمج الأطفال خلال عملية التّعلم في مجموعات لابتكار مشاريع وأفكار من خلال مسابقات تنافسية، بالإضافة إلى أنّ التطبيقات المخصّصة لتعليم البرمجة تتيح للطفل فرصة مشاركة تطبيقه مع جميع الأطفال الذين يبرمجون حول العالم والعمل على تطويره بشكل جماعي.

ومما سبق نجد أننا كدول نامية، في أمسّ الحاجة إلى الوعي بأهمية هذه الفرصة لنا ولأبنائنا، ويجب على صنّاع القرار تعديل المناهج الدراسية بوضع مواد إجبارية تركز على تعليم صناعة البرمجيات وليس استخدامها فقط؛ لأن ذلك لن يُعدّ جيلًا قادرًا على التعامل مع التكنولوجيا فحسب؛ بل سينشئ شخصيات قادرة على حل المشكلات والتعامل مع الواقع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد