تبدو هذه الأيام برامج التواصل الاجتماعي وبالذات موقع (تويتر) مشبعة بتغريدات نُخب سياسية موالية لأنظمة الحكم العربية، وتغريدات رجال دين ونشطاء عرب (خليجيين أكثرهم) معظمها تترحم على الشهيد صدام حسين وتتمنى أن يبعث من مرقده الأبدي ثانية ويعود الى بين أيديهم وبين ظهرانيّ هذا الوضع العربي التائه في أسواق بيع الأوطان ونخاسة المتاجرة بشعوب وأمم وأديان وقيم ومبادئ وفي زمن تأجير الجيوش وبيع المواقف الرسمية بأبخس الأثمان، وزمن ذبح الآدمي كذبح النعاج باسم الله ورسوله، لماذا هذا التمنيّ بعودة صدام حسين بعد ان سلموه كـ(أضحية عيد) على رأس المقصلة الأمريكية وهم يعاقرون أجود أنواع الخمور الباريسية، وينادمون شقراوات فيينا ويضخمون أرصدتهم وعقاراتهم في لندن وبرن ومنهاتن؟ وينفخون بكل اختيال دخان السجائر الكوبية على مخارف ومروج أغادير الساحرة ومباهج شطآن بحيرات جنيف الخلابة؟ ولماذا هذا التمنّي العربي الخليجي بهذه العودة (الوهم) للمغدور به وبشعبه الشهيد صدام حسين في هذا الوقت. فهل ثمة وخز لضمير قد حدث لهؤلاء؟ أو حالة صحوة قد تملكتهم بعد عقد ونيف من الموات واستيقظ الانسان في ذواتهم؟ ليت هذا قد حدث لنا، لبلعنا مرارة السنين وطوينا الألم بلفافة الأمل، لكن هذا لم يحدث.

فبعد ان تآمروا عليه (صدام حسين) وفتحوا براريهم وبحارهم وأجواءهم لغزو بلاده واستباحتها ونهب مقدراتها بواسطة شركات النهب الغربي أساطيل وطيران وقوات لا حصر لها تتسلح بأقوى وأحدث وأعتى الأسلحة بالعصر الحديث ومزودة بتقنيات دمار فائقة الدقة، ها هم يتباكون اليوم عليه بدموع تمساحية مالحة، ويتمنون عودته ليس رغبة منهم لينصفوه من ظلمهم وجنونهم وخيانتهم  له وللعراق – موئل الحضارة الإنسانية وسّرة العالم  – وللأمتين العربية والإسلامية، ولا هي رغبة منهم بإعادة الاعتبار له ولبلده المدمر ولا استجابة لوخز ضمير على ما اقترفوه من جرم بحق وبحق أمته وبحق العروبة والإسلام من دمار وامتهان واحتلال وضياع وخراب، بل ليعود نيابة محاربا (للمجوس والروافض) بحسب توصيفاتهم الطائفية التكفيرية التي تشب الحرائق بكل أرجاء المنطقة والعالم باسره. يتمنى هؤلاء (المتوترون) أن يعود صدام حسين محاربا شاهرا سيفه كطائفيّ انغماسي في جبهة حلب أو الموصل، زعيما مفخخ العقل مشحون الفكر ملوثا بفكرة إدارة التوحش كأجير بالريال والدولار كواحد من زعماء الأجرة  والسخرة هو وجيشه بحلف من أحلاف الإيجار لقاء شيك بنكي شهري. وليس ليحارب الاحتلال الغربي وأذنابه في بلاد الرافدين ويطرد الغزاة وأعوانهم ومَن والاهم، ولا ليعود ثائرًا ممن أعان هؤلاء الغزاة وسهّــل لهم الطرق والدروب إلى البصرة وأم قصر وبغداد دولا وأفراد ومنظمات دولية وعربية وتجار الدين السياسي.

لا يريدون عودة صدام حسين رئيس دولة العراق القوي الشامخ الرافض لهيمنة واستعمار الغرب وأمريكا لأرض العروبة وديار الإسلام وهو الزعيم الذي قضَّ لسنوات مضاجع حكام الدولة العبرية وبني صهيون وحرمهم لذيذ نومهم، ولا ليحمي بوابتهم الغربية هذه المرة بل ليحمي لهم بواباتهم الأربع وهم فاغرو الأفواه أمام شاشة التلفزة وأجهزة الأنترة، (ليحارب لهم مجوس العراق وروافض إيران وخوارج سوريا وفُـرس اليمن. يريدون عودة صدام حسين، على طريقتهم التدميرية التطبيعية. يريدون عودة الجنرال صدام حسين إلى حضيرة الخنوع، على طريقة الجنرال عشقي، يريدون صدام جديد يشير بسبابته إلى الخطر القادم للأمة من الشرق وليس من الغرب ولا من تل أبيب، يريدون صدام حسين يعود ليحرر لهم سوريا من السوريين واليمن من اليمنيين وليبيا من الليبيين، وليس تحرير العراق من  علوج الغزاة وأعلاج الإرهاب. ولا فلسطين والقدس من جيش بني صهيون. يريدونه يردد معهم سخافة عبارات التطبيع والتهويد ويرسل جنرالاته ورجال أعماله إلى أرض فلسطين المحتلة، ويصلي بهم بالقدس اليوم وليس غدا مع أنور عشقي. لا يريدون صدام حسين المفعم بالعروبة التواق للصلاة في القدس بعد تحريرها من الجيش الإسرائيلي الغاصب، لا يريدونه يعود قاسمًا بإحراق نصف إسرائيل أن هي تمادت بغيها وعجرفتها وظلت تبتلع أراضي القدس وتدنس مسجدها وتهوّد أراضيها بوحداتها السكنية لمستوطنيها، بل يريدون صدام الذي يحرق لهم الأخضر واليابس في ديار كل شيعي مجوسي وكل إخواني منافق وكل صوفي مبتدع قبوري وكل بعثي زنديق. يريدون أن يؤمّـهمُ في المسجد الأموي بدمشق أو بالجامع الكبير بصنعاء ولو كان الوصول فوق حسر من أشلاء وجثث الضحايا، بعد أن غرتهم الأماني واستبدت بهم الأوهام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد