فوجئت كالكثيرين بنبأ انتحار الكوميدي الشهير روبن ويليامز، وكان أول ما استدعى هذا الخبر من ذاكرتي مشهدًا أداه الممثل باقتدار في فيلم “باتش آدمز” (1998)، حيث يقف على حافة جبل شاهق ليرمي بجسده إلى الموت منتحرًا، لكن فراشة تحط على زهرة بقربه فيتأملها قليلاً، ثم يستعيد شعوره بالأمل ويعود ليكمل حياته بعد أن وضع لها هدفًا نبيلاً، وهو معالجة الناس بالضحك.

 

كنت أشعر منذ شاهدت ذاك الفيلم قبل سنوات أن روبن لم يمثل هذا الدور بل جسد فيه شيئًا من حياته، فالبطل كان يعاني من أزمة نفسية دخل بها المصحة العقلية، ثم اكتشف هناك أن لديه موهبة في مساعدة الناس، بل وعلاجهم، كما التقى في المصحة بعالم نفسي أسرف في الغوص بأعماق العقل والنفس البشرية، حتى وقع في هوة الجنون، فتعلم منه درسًا ثمينًا يتلخص في النظر إلى ما وراء الظواهر.

 

يخرج باتش آدمز من المصحة ليدرس الطب، ثم يبدأ بشق طريقه الخاص في معالجة المرضى بإضحاكهم، ويضطر للدخول في صراع طويل مع عميد الكلية ينتهي بالحكم قضائيًّا لصالحه، كي لا يُطرد من الجامعة، ثم يؤسس منظمة عالمية لها فروع كثيرة للعلاج بالكوميديا، وربما يوافقني كثيرون في أن روبن حاول بنفسه أن يفعل الشيء ذاته.

 

كان هو الممثل الوحيد الذي دفعني للبحث عن خلفيته الثقافية، فكنت أتوقع أن أجد في سيرته شهادات جامعية عليا في أحد مجالات العلوم الإنسانية، ومع أني لم أعثر لديه سوى على مواهب كوميدية مبكرة؛ فقد أقنع نقادًا آخرين غيري بالبعد الإنساني لأدائه، سواء في الأدوار الكوميدية أو الدرامية.

 

وعندما تلقيت نبأ انتحاره المفاجئ بحثت أيضًا عن خلفيته، مستبعدًا في البداية صحة الخبر، ثم متسائلاً في دهشة عن دوافع القرار، فوجدت أكثر التأويلات شيوعًا خشيته من الفشل المهني بعد بلوغه القمة، ووقوعه في أزمة اكتئاب حاد أفضت به إلى الإدمان، ثم الانسحاب من الحياة.

 

قد يبدو حدثًا مفهومًا في هوليود مهما كان مؤلمًا، فالتحقيقات التلفزيونية التي توالت طوال أسبوع في أميركا كانت تستعرض حالات اكتئاب مشابهة لدى كوميديين آخرين، لتنتهي تعليقات المذيعين بعبارات للتعاطف من قبيل “إنهم يضحكوننا ليخفوا عنا ألمهم”، ثم يستديرون إلى الكاميرا لبث تقارير أخرى عن آخر أخبار الموضة وفضائح النجوم.

 

إنها هوليود التي يصفها الأميركيون بأنها أصعب مكان للنجاح في العالم، فالصعوبة هناك لا تكمن في الصعود إلى القمة فقط، بل في البقاء عليها أيضًا، ثم في مواصلة القدرة على الحياة بطريقة طبيعية سواء بالبقاء هناك أو بعد السقوط.

 

إغواء النجومية في هوليود لا يمكن قياسه إلى أي تجربة أخرى عرفها التاريخ، فالنجم الهوليودي يبلغ اليوم من الشهرة درجة لم يكن ليحلم بها الإسكندر المقدوني، ولا هارون الرشيد، كما أن المكائد والمؤامرات التي تحاك في كواليسها لا تقل خبثًا عما كان يخشاه الملوك من دسائس في أروقة القصور.

 

لم تفلح هوليود بكل بريقها في إسعاد روبن، كما لم تنجح ابنته الشابة – التي احتفل بعيد ميلادها قبل انتحاره- في إقناعه بالبقاء حيًّا من أجلها، وربما فشلت كل المخدرات والمسكرات أيضًا في إنقاذه من آلامه التي قرر الخلاص منها بقرار “جبان”.

 

ما زلت أذكر عبارة آدمز التي قالها وهو يستعد لإلقاء نفسه من قمة الجبل عندما خاطب الله بعبارة تعترض على القدر. لكن آدمز سرعان ما تراجع عنها لتنقذه فراشة، بينما عجزت هوليود فيما يبدو عن إنقاذ روبن، ليرمي بجسده المتفاني من قمة الشهرة والحياة معًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد