استمعت منذ سنوات لخطاب إيما واتسون وهي سفيرة للنوايا الحسنة لشؤون المرأة عن مجلس المرأة التابع للأمم المتحدة عام 2014. كان خطابًا مؤثرًا عن حقوق المرأة، اتهمت فيه جميع دول العالم بمعاملة المرأة بدونية، وشرحت فيه حملة الأمم المتحدة هو من أجل هي لتحفيز الرجال والشباب على الاهتمام بحقوق المرأة والفتيات في أنحاء العالم. (1) يومها لفت انتباهي أنها كررت في ذلك الخطاب الرجال والنساء عددًا من المرات.. سألت نفسي لماذا لم تقل أبدًا ولو لمرة واحدة النساء والرجال؟ ربما تكون الإجابة بديهية هنا، وهي أن مرتكب الظلم في حق المرأة هو الرجل!

نفس الترتيب في ثقافتنا العربية الرجال والنساء، ولا تسمع أبدًا النساء والرجال، كذلك عندما نتحدث عن الجنس نقول الذكور والإناث ثم نقولالآباء والأمهات والزوج والزوجة والإخوة والأخوات، وعندما نخاطب الذكور والإناث في المدارس نقول الأولاد والبنات.

نفس الترتيب تمامًا في اللغة الأنجليزية النساء والرجال والذكور والإناث والآباء والأمهات والزوج والزوجة والإخوة والأخوات والأولاد والبنات.

كما أنك عندما تريد التقدم للحصول على عمل فإنك تكتب بداية في صفة المخاطب السيد أو السيدة الأعزاء أي أنك تبدأ بالرجل قبل المرأة.

لم أجد تحديدًا لصفة المخاطب تبدأ بالنساء في اللغة العربية أو اللغة الإنجليزية، إلا القول السيدات والسادة وهذه تستخدم غالبًا – إن لم يكن دائمًا – عندما تبدأ خطابًا يرحب بجمع قد اجتمع أمامك لسماعك. مخاطبة السيدات والسادة هي أقصى الرسمية تقال في مناسبة قد تتكرر وقد لا تتكرر أمام أناس قد تراهم مجددًا وقد لا تراهم مرةً أخرى، رغم أن أصل هذا العبارة تبدأ باللوردات وهم رجال والتي تم حذفها في زمن لاحق.

السؤال من أين جاء هذا الترتيب في صفات المخاطبة التي تبدأ بالرجال والذكور والآباء والأزواج والإخوة والأولاد قبل النساء والأناث والأمهات والزوجات والأخوات والبنات سواء في العربية أو الإنجليزية؟

البعض يقول إن هذا الترتيب قديم منذ المجتمعات البدائية بسبب قوة الرجل الجسمانية التي فرضت نفسها على المرأة، وعليه تعودت البشرية فلم تغيره، أو لم تستطع تغييره، والبعض وخاصة من اللغويين يحاجج بأنه من الأسهل نطقًا في الإنجليزية القول الرجال قبل النساء، والذكور قبل الأناث، والآباء قبل الأمهات، والأزواج قبل الزوجات، والإخوة قبل الأخوات، والأولاد قبل البنات.

إن هذين القولين غير صحيحين من وجة نظري، رغم أنني مقتنع أن هذه الأسبقية في صفة المخاطبة للرجل كانت فعلًا موجودة في المجتمعات البدائية، ولكني أعتقد أن الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام قد رسخت هذه الأسبقية ولعبت دورًا حاسمًا في استمرارها إلى يومنا هذا.

وجدت في نصوص التواره والإنجيل والقرآن نفس الترتيب دائمًا.

هنا بعض الأمثلة:

الذكر والأنثى هو من خلقهم (2).

ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويتمسك سريعًا بزوجته، وهما معا يصبحان لحمة واحدة (3).

احترم أباك وأمك (4).

جميع الرجال والنساء (5).

لا تنهر رجلًا مسنًا، ولكن ساعده كأنه أبوك، والشباب كأنهم أخوتك، والنساء المسنة كأنها أمهاتكم، والشابات كأنها أخواتك (6).

إن كان أخًا أو أختًا لا يلبس ما هو مناسب، ولا يملك طعامه اليومي (7).

ثم نجد نفس الترتيب في القرآن الكريم حيث يقول الله جل وعلا: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (8).

ويقول الله في القرآن الكريم مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9).

اعتقد أن هذا التريب قد جاء استنادًا إلى العلاقة الدنيوية التكاملية بين الرجل بالمرأة حيث نقرأ: ثم  قال الرب أنه ليس من الخير أن يكون الرجل وحيدًا؛ سوف أخلق له مساعدًا مناسبًا له (10).

ويقول الله جل وعلا في القرآن الكريم وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (11).

نفهم من هذا أن المساعد وهي المرأة هي الأقل درجة من الرجل أي أنها في الترتيب الثاني من حيث مسؤولية التكليف. فمساعد المدير يقوم بمساعدة مديره في أداء جميع المهام، لا بل يقوم نيابة عنه في أداء جميع مهامه في غيابه، ولكنه يبقى الثاني ترتيبًا في سلم المسؤولية بعد مديره. كما أعتقد مثلًا أن استثناء القرآن في هذا الترتيب يؤكد هذه الحقيقة ولا يتعارض معها، حيث جاء في الآيات التي تصف قدرة الله والتي لا يترتب عليها تكليفًا للمؤمنين لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (12) حيث يخاطب الله قومًا كانوا يفضلون الذكور على الإناث، فذكر الله الأنثى أولًا ليبين لهم على نحو قاطع أن الله لا يفضل الذكر على الأنثى فالكل لديه سواء، ثم ميز في الآية الذكور بسمة التعريف الألف واللام لتتماشى مع ترتيب المسؤولية وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (11).

ثم جاءت الآية اللاحقة مباشرة لتضع الذكور قبل الأناث ـ لأنها من وجهة نظري – يترتب عليها فعلًا مطلوبًا من المؤمنين وهوالزواج أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (13).

الأديان في محتوى نصوصها تكليف وبشرى ووعيد، وهي بلا شك تساوي بين الأنثى والذكر في المسؤولية أمام الخالق، ولا يعني تصنيف الأنثى ثانيًا في ترتيب صفات المخاطبة تقليلا من تلك المسؤولية أو تشريفًا أو تفضيلًا للذكر على الأنثى، وإنما هو ترتيبًا في المسؤولية بما يعني أن الذكر أو الرجل هو من يتحمل المسؤولية أولًا في أي تكليف سماوي.

وعليه صار الأمر واستمر إلى يومنا هذا في الخطاب السياسي، والأعمال التجارية، وحتى النشاطات الاجتماعية وغيرها من التكليفات بمسؤوليات، أو إجراءات التقديم على عمل، أو اجراءات حكومية، ونحن ربما لا ندري.

لم أجد إجابة أكثر طرافة من جواب سيدة أمريكية سألتها عن هذا الترتيب فقالت في المجتمعات المؤدبة نبدأ الترحيب بالسيدات قبل السادة، ولكن عندما يتعلق الأمر بتكليف ما يخص أعمالًا سياسية أو تجارية فإننا نبدأ بالرجال أولًا لأن ذلك قد يترتب عليه دفع لمال، والرجل هو من يجب أن يدفع أولًا.. ثم واصلت وهي تبتسم وفي النهاية الرجال هم صناع المشاكل في العالم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد