تزدحم الساحة السياسية المصرية بما يربو على 100 حزب، أغلبها إما أحزاب كارتونية لا أثر لها، وإما أحزاب أمنية أسست جزءًا من ديكور المشهد السياسي الهزلي في مصر، وبين هذا وذاك ما زال عدد قليل من الأحزاب يصر على أن يتمتع برأي مستقل، ويحاول جاهدًا أن يكون مؤثرًا على الساحة السياسية، لعل أبرز تلك الأحزاب الجديرة بالاحترام – وإن اختلفنا معه في بعض المواقف أو التصريحات – هو حزب النور، ذلك الحزب الذي أثبت مرارًا و تكرارًا انحيازه للوطن، وإن كان ذلك على حساب شعبيته، ومؤخرًا فهو يعد الحزب المؤثر الوحيد الذي ظل رافضًا إعلانه تأييد أي مرشح قبل معرفة باقي المرشحين والمقارنة بينهم، وبفعل ذلك الجدول الزمني المضغوط الذي أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات، أصبح من الواضح أن الانتخابات الرئاسية القادمة لن تقدم للناخب المصري إلا ثلاثة مرشحين جديين -على أحسن الأحوال- الرئيس السيسي، والناشط الحقوقي خالد علي، والفريق سامي عنان، إذن لماذا أضحى من المنطقي على حزب النور أن يؤيد السيسي بل قبل ذلك، لماذا أصلًا سيشارك حزب النور في الانتخابات، ألا تكون المقاطعة أو حتى ترك حرية الاختيار لأعضاء موقف أكثر انسجامًا واتساقـًا مع الواقع الحالي المرير، الذي يعاني منه الشعب المصري؟

أعتقد أن خيار المقاطعة خيار سلبي، فما زال الشعب المصري يقاطع انتخابات عصابة مبارك طوال ما يزيد على عقدين، ولم يؤثر ذلك في تماسك النظام، بل زاد في طغيانه واعتبر الشعب «عزبة» تورث من الأب إلى الابن، المقاطعة بوضوح تعني أن ليس لي صوت وأني غير موجود، وأن هذا ليس وطني، فافعلوا ما شئتم بي وبأولادي، وسأكتفي بالصراخ والشكوى، أما خيار ترك الحرية للأعضاء لانتخاب من يرونه أصلح؛ فهذا يعني نهاية لدور حزب النور ووأد فكرة العمل الجماعي من الأساس، فأي حزب تكمن مصدر قوته في تكتل أعضائه على رأي واحد مبني على الشورى ومتسق مع مبادئه، وهذا ما يكسب أي حزب وزنه النوعي، وقدرته على إحداث التغيير، أما إذا اختلفت الآراء النهائية وتضاربت وتعارضت داخل الحزب نفسه، وأصبح كل يغني على ليلاه؛ فسيصبح ذلك الحزب بمثابة إطار مفرغ من محتواه لا صوت له ولا تأثير، لذا فخيار «عدم الاتفاق على مرشح واحد» يعد خيارًا فوضويًّا في المقام الأول ينقض فكرة العمل الجماعي أصلًا.

إذن لا بد أن يرشح حزب النور – فيما أتوقع – أحد الأسماء الثلاثة المطروحة على الساحة: السيسي، أو خالد علي، أو سامي عنان.

– يعد سامي عنان مرشحًا عسكريًا بلا جدال، فنحن نتحدث عن رئيس أركان القوات المسلحة، لذا فلا ميزة له في ذلك عن السيسي، ولكن ربما يدعي البعض أن الفريق عنان لم تتلوث يديه بدماء قط، بل لقد ساند الثورة؛ لذا فهو الخيار الأفضل، أعتقد أن هذا الادعاء مناف للواقع، فأغلب حوادث قتل المتظاهرين تمت في تلك الفترة التي كانت كلمة عنان فيها هي الكلمة الأولى في أروقة الحكم في مصر، ولعل معظم أدلة إدانة النظام السابق على ما ارتكبه من جرائم أزيلت في فترة الفريق سامي عنان، بل لم يكتف بذلك وحاول تقويض الرئيس المنتخب عبر إعلان دستوري مكبل، مما اضطر جماعة الإخوان المسلمين لإزاحته عن الساحة هو وطنطاوي واستبدل بهما الشخص الأفضل والأكثر انحيازًا للثورة -من وجهة نظر الرئيس مرسي وجماعته آنذاك- ألا وهو اللواء عبد الفتاح السيسي، الذي رقاه د.مرسي ترقية استثنائية لما راه فيه من كفاءة وإخلاص؛ فهو رجل من ذهب كما صرح د. مرسي على الملأ قبيل عزله بأسبوع واحد، إذن لا ميزة للفريق عنان على الرئيس السيسي، بل قدومه رئيسًا قد يشعل الصراع بين بعض مؤسسات الدولة العميقة، ومصر لا تحتمل مزيدًا من الصراعات التي يدفع ثمنها المواطن البسيط المثقل كاهله بالأعباء.

أما الناشط الحقوقي خالد علي، فهو شاب مناصر للثورة دافع عن حقوق العمال، وبذل من جهده وماله لتأييد الحراك الثوري، لكن ينقصه عدة جوانب منها، تجعل من الصعوبة أن يصبح مرشحًا لحزب النور في الانتخابات القادمة، ومنها:

– ضعف الظهير الشعبي المؤيد له فحتى الآن لا توجد شرائح مجتمعية عريضة تؤيد ترشيحه، كما أن أغلب أصحاب الرأي والتأثير من مختلف الاتجاهات ما زلوا لم يعلنوا أي تأييد لخالد على رئيسًا، بل لا أبالغ إن قلت إن شرائح كبيرة من المجتمع لا ترى في خالد علي شخصًا مناسبًا لتولي سدة الحكم.

– قلة خبرته وخلو سيرته الذاتية من أي نجاحات إدارية بارزة، فبالاطلاع على السيرة الذاتية لخالد علي يتضح مدى إنجازاته في المجال الحقوقي كونه محاميًا، لكن دولة كبيرة بحجم مصر تحتاج إلى عقلية إدارية قوية قادرة على معالجة آفات البيروقراطية والتغلب على معاول الفساد التي تنخر في الجهاز الإداري المصري بمؤسساته المتداعية.

– توجهه الفكري اليساري، فمن المعروف أن خالد علي يساري صميم، وهذا وإن كان جانب فخر لبعض مؤيديه، فإنه صبغة فكرية مرفوضة من كافة شرائح الإسلاميين، لا سيما السلفيين منهم، لذا فليس من المنطقي أن ينال دعم أي فصيل إسلامي متمسك بمبادئه ومرجعيته الشرعية.

إنا فليس الفريق عنان ولا المحامي خالد علي مناسبين لتبوء سدة الحكم في مصر على الأقل في الفترة الحالية، لكن ماذا عن السيسي؟

على الرغم من الأداء الاقتصادي الهزيل للحكومة، وعلى الرغم من القبضة الأمنية وانخفاض سقف الحريات، فإن السيسي يظل هو الخيار الأفضل في الفترة الحالية، فنحن نتحدث عن رجل تدين له أغلب المؤسسات بالولاء، وحقق بعض النجاحات الاقتصادية على الرغم من وجود إخفاقات أخرى عديدة، وبدأ في تنفيذ العديد من المشروعات التي من المنتظر أن تؤتي ثمارها عما قريب، كما أنه نجح في إحداث نوع ما من الاستقرار الأمني – باستثناء معضلة سيناء الحبيبة- كما قلت المعاناة من العديد من المشاكل، منها أزمات الانقطاع المستمر للتيار الكهربي ونقص البنزين والمحروقات وغيرها، قطعًا الأداء الإجمالي ليس رائعًا حتى الآن، لكن العديد من المؤسسات الاقتصادية العالمية المحايدة أشادت بالتحسن المرتقب للاقتصاد المصري، بل أعلن بعضها رفع التصنيف الائتماني لمصر من مستقر إلى إيجابي، لذا يظل السيسي مقارنة بخالد علي وعنان هو الخيار الأنسب وليس الخيار المثالي.

ومن العجيب أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أدرك فصيل مهم من الإخوان المسلمين – حركة حماس- حقيقة أن وجود السيسي هو الأنسب والأفضل حاليًا لمصر وللمنطقة بشكل عام؛ فاستقبلت حركة حماس مدير المخابرات المصرية استقبال الفاتحين، بل علقت صور السيسي -الذي يعده إخوان مصر قاتلًا وخائنًا- علقتها على لافتات كبيرة مؤيدة في شوارع غزة الأبية، بل الأعجب من ذلك أنه عندما اعترضت بعض فصائل المقاومة على ذلك هاجمهم إخوان غزة بل إخوان مصر أيضًا، واتهموهم بعدم فهم «فقه المصالح والمفاسد» وبضحالة الرؤية السياسية!

ولكن لماذا لا يكون انتخاب النور للسيسي من باب المداهنة والتزلف كأغلب من أيدوا وصفقوا؟

المتابع للواقع المصري ولتصريحات المسئولين والإعلاميين عن قرب خلال آخر عامين، يدرك بجلاء أن كثيرًا من التضييق والهجوم الإعلامي تمارسه المؤسسات العميقة لتحجيم حزب النور والدعوة السلفية، على الرغم من ذلك لم يتخذ حزب النور موقفًا قط من باب الانفعال الجارف، بل تحمل الأذى لحماية الوطن، كان من الممكن أن ينضم إلى أحد المعسكرين «المطبل للسيسي أو المخون له» فيجني ثمار ذلك، لكنه آثر الالتزام بمبادئه الشرعية وتغليب مصلحة الوطن والشرع على مصلحة أفراد الحزب وشيوخ الدعوة السلفية، ولقد تعرض الحزب لهجوم وتهديدات من كافة الأطراف:

– داعش هددته إن لم يصمت فسيعاقب، وبالفعل قتلوا اثنين من أبناء الحزب وأصابوا آخرين، ولم يصمت الحزب وما زال يفند شبهات الإرهابيين.

– الإخوان هددوه بأداتهم الإعلامية الغليظة، بل بالأذى الجسدي أحيانًا، إن استمر على موقفه؛ فرفض الإذعان ومخالفة ضميره وتحمل أذى التشويه المستمر والكذب الدائم.

– مؤسسات الدولة العميقة مارست أقصى درجات الاضطهاد في انتخابات مجلس النواب لتحجيم الحزب وتركيعه، على الرغم من أن كوادر الحزب ورؤوس حاضنته الانتخابية «الدعوة السلفية» هم الوحيدون القادرون -بما لديهم من علم شرعي وتأصيل فكري- على التصدي للإرهاب الذي يهدد مصر باستمرار.

على الرغم من كل ذلك، ظل حزب النور مدافعًا عما يدين به لله – عزوجل- من مبادئ وأخلاق دفع ضريبتها غاليًا وما زال يدفع، وهذا هو حال المصلحين عبر التاريخ، ولعل الفترة المقبلة لحزب النور تمثل محطة اختبار أخرى لأفراده قبل قياداته، فهل يتسق حزب النور مع مبادئه وينتخب السيسي أم يستسلم للإرهاب الفكري؟

أعتقد أنه سيستكمل الطريق ولن يهاب أحدًا إلا الله، فالأمر بوضوح شديد عند حزب النور -في ما أرى- قائم على المقارنة بين الثلاثة مرشحين وعلى الموازنة بين المصالح والمفاسد، وليس قطعًا قائمًا على مقارنة المرشح بسمات الرئيس المثالي، نحن هنا نتحدث عن أرض الواقع لا عن سماء الأحلام، فإما أن تتعامل مع الواقع الحالي بمرارته، وإما تعتزل الحياة وتنزوي في أحد الأطراف لتبكي اللبن المسكوب وتنتظر الفارس المخلص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)