(1)
كثير جدًا من الناس -حتى بعض مؤيدي العهد الحالي- تعاطفوا مع الشبان التسعة الذين تم إعدامهم الشهر الماضي بدعوى اشتراكهم في جريمة اغتيال النائب العام هشام بركات، وكان الباعث الواضح عند الغالبية الساحقة من الغاضبين هو عدم الاطمئنان إلى أن هؤلاء الشباب اقترفوا هذه الجريمة أو كان لهم علاقة بها، خاصة بعد أن صرحوا أمام القاضي أن جميع اعترافاتهم انتزعت بالتعذيب الرهيب، وقال قائلهم بالنص «سيادة القاضي، أعطني عصاة كهربائية، ثم وجهني تجاه أي من الحضور، وأنا على استعداد لأن أجعله يعترف لك أنه قتل السادات».

https://www.youtube.com/watch?v=pBlSCnO_-yc

(2)

ومن الناحية العقلية والشرعية والقانونية جميعًا، فإن سحب المتهم لاعترافه يجعله كالعدم، خاصة إذا أشار لأسباب ممكنة مثل التعرض للتعذيب، فإن حجية الاعتراف تأتي من طواعيته، فإذا انتفت الطواعية أو تم التشكيك فيها سقطت حجية الاعتراف.

(3)

يضاف إلى ذلك -من الناحية البديهية البحتة- سؤال يطرح نفسه بلا إجابة: ما الذي يدعو شابًا متهمًا بارتكاب جريمة إرهابية مع سبق الإصرار والترصد، نتج عنها قتلى وجرحى وتدمير للممتلكات وترويع للدولة، بالتالي فإن ثبوت التهمة عليه بأي وسيلة كفيل بأن يجعل العقوبة الأكيدة هي الإعدام، فما الذي يدفع هذا المتهم للإدلاء باعترافات تفصيلية تثبت عليه التهمة التي عقوبتها الوحيدة هي الإعدام؟!، لماذا يعترف وتصبح الإدانة مؤكدة بنسبة 100%؟! لماذا لا ينكر ويواصل الإنكار على طول الخط، وسيظل عندها له فرصة للإفلات من العقوبة مهما كانت نسبتها ضئيلة؟ فلماذا يعترف؟!

https://www.youtube.com/watch?v=Pak7Qh9ai3c

(4)

وعندما يوضع هؤلاء الشباب أمام الكاميرات ليدلون باعترافات تفصيلية، الواحد وراء الآخر، وهم يعلمون أن الإعدام هو مصيرهم الحتمي بناء على تلك الاعترافات، بينما قد يفيدهم الإنكار، فلماذا يقدمون جميعًا على هذا الإجراء الطوعي الانتحاري؟!

(5)

هل هي صحوة ضمير؟! قد نمررها لواحد منهم أو إثنين، لكن جميعهم قد استيقظت ضمائرهم؟! ثم عادت ضمائرهم جميعًا إلى النوم أمام المحكمة حين أكدوا أن الاعترافات انتزعت منهم تحت التعذيب؟!

(6)

هذه التساؤلات البديهية تقود إلى تأكيد انتزاع تلك الاعترافات تحت وطئة التعذيب، أو على أقل التقدير وجود الشك البالغ في ذلك الذي يفقد الاعترفات حجيتها، خاصة مع عدم القدرة على إجابة سؤال: لماذا يعترفون؟!

(7)

والسؤال البديهي البسيط: (لماذا يعترفون؟!)، لا يتعلق فقط بتلك القضية، بل بعشرات القضايا المشابهة يعرض فيها المتهمون وهم في حالة بائسة وآثار الضرب واضحة تمامًا عليهم، وأمامهم تعرض أسلحة أو أحراز، ثم يقال معها: المتهمون يعترفون بجريمتهم!

(8)

واقتراف عناصر (كثيرة) من أعضاء وزارة الداخلية المصرية لوقائع تعذيب هو أمر ثابت تاريخيًا وقضائيًا منذ عهد ما قبل ثورة يوليو، خاصة في وزارة إبراهيم عبد الهادي باشا، ثم زادت وتيرته واستفحلت في الخمسينيات، وأكثر منه في الستينات -وما أدراك ما الستينات- ثم هدأت الوتيرة -وإن لم تنقطع- في عهد الرئيس السادات، ثم عادت تتصاعد بانتظام في عهد مبارك، خاصة في عهد الألفي، ثم بلغت مداها في عهد حبيب العادلي.

(9)

ومع قيام ثورة يناير المباركة والرعب ثم الترقب الذي أصاب أغلب عناصر الداخلية، وحصولهم -باعتراف وزيرهم محمد إبراهيم (الثاني)- على أجازة مفتوحة منذ يناير 2011 وحتى يونيو 2013، وما صاحب ذلك من حل جهاز أمن الدولة، كل هذا أدى لشبه توقف في شؤون التعذيب في تلك الفترة.

(10)

ومع تمرد 30 يونيو (حزيران) الذي أدى لانقلاب 3 يوليو (تموز) عادوا من إجازتهم الطويلة بكل نشاط وحيوية، ورغبة في تعويض فترة التوقف، فتصاعدت وتيرة التعذيب لمستويات فاقت بمراحل ما كتب وسمعنا عنه في الستينات، حتى شملت القريب والبعيد، مثل (ريجيني) الذي «قتلوه كأنه مصري»! ومثل الاختفاءات القسرية، والذين يقبض عليهم من أمام بيوتهم لتظهر جثثهم بعد شهور بدعوى مقتلهم في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة! ومثل الذين يعترفون بارتكاب جرائم تمت وهم في الحبس مقبوض عليهم! أو يعترفون بجرائم عجيبة مثل سد البالوعات بكتل إسمنتية بهدف إغراق شوارع الإسكندرية!

(11)

وتتم هذه الاعترافات أمام وكلاء النيابة الذي يرون حالة المتهمين أمامهم ولا يملكون شيئًا (فهم بين الترغيب والترهيب وقلة الحيلة)، ويدلي المتهمون باعترافاتهم أمام النيابة رغبة في الهرب من التعذيب الرهيب في الأقسام ومقرات الأمن الوطني، بحيث تحيلهم النيابة بهذه الاعترافات إلى السجون حيث يقل التعذيب، وأثناء المحاكمات يسحبون اعترافاتهم على أمل أن ينصفهم القضاء.

(12)

لكن القضاء لا ينصفهم، ولا يريد أن ينصفهم، ولو أراد فلا يمكنه أن ينصفهم، والحق أن العدالة مناخ وليس هياكل مؤسسات مثل المحاكم والقضاء والنيابات وغيرها، فهذه كلها مؤسسات تتواجد في كل الدول، حتى في أعتى الأنظمة القمعية، فلا عبرة بتواجدها في حد ذاته، بل المحك كل المحك في توفر مناخ وضمانات العدالة الحقيقية، التي بدونها تصبح تلك المؤسسات هياكل ميتة بلا روح أو قيمة حقيقية.

(13)

وحال القضاء في الأنظمة الشمولية في كل زمان ومكان هو ذات الحال، قاعدة ليس فيها شذوذ حتى الآن، فالقضاء في الأنظمة الحرة هو (عنوان الحقيقة)، ولأنه وسيلة جلائها ومنبر إظهارها، وهو وسيلة الشعوب للوصول إلى العدالة والحصول على الحقوق ولو من الحاكم، ومن هنا تتجه أنظار الأنظمة الشمولية أول ما تتجه إلى القضاء لتدجينه، وإدخاله في حظيرتها.

(14)

وهناك جسران لابد أن تمر عليهما تلك الأنظمة قبل أن تصل إلى القضاء، وهذان الجسران هما الفواصل بين الأنظمة الديموقراطية والأنظمة الشمولية، فلابد للنظام الشمولي قبل أن يصل إلى القضاء ان ينشر الخوف والإرهاب بين الناس، حتى إذا بدأ مع القضاه يكونون قد تزعزعوا تحت وطأة الطبع البشري الذي يخاف من القتل والتنكيل والسجن وتلفيق التهم والإساءة للسمعة والتشريد والنقل للصلاحية، إلى غير ذلك من وسائل الإرهاب المادي والمعنوي التي تقوم به الأنظمة الشمولية مع شعوبها وتفارق به وللأبد الأنظمة الحرة في فراق لا لقيا بعده حتى سقوطها.

(15)

وأما الجسر الآخر الذي تعبره تلك الأنظمة فهو الإعلام، فقبل السيطرة على القضاء تكون السيطرة على الإعلام حيث الأسهل والأكثر تأثيرًا بين الناس، وبالسيطرة على الأعلام لا يعيش الناس -والقضاة من بينهم- إلا على صوت واحد يمجد الحاكم المنقذ الواقف وحده في وجه أعداء الوطن، وتنمحي الفوارق ويحدث التماهي بين الحاكم والوطن، فيصبح كل من يساير هوى الحاكم هو الوطني المخلص، وكل من يمتنع عن مسايرة الحاكم، ناهيك أن يعارضه ولو في حكم قضائي لا يعجبه -ناهيك عمن يطالب بسقوطه أو يدينه في حكم قضائي- يصبح عدوًا للوطن ذاته وليس فقط للحاكم.

(16)

وعندما تعبر الأنظمة الشمولية الجسرين، فتنشر الإرهاب والخوف بين الناس، وتسيطر على الإعلام فلا يكون إلا صوت الحاكم ويصبح كل قمع ضرورة للحفاظ على بقاء الدولة وتماسكها ووحدتها، وتصبح كل معارضة للحاكم انتقاصًا من الوطنية بقدر تلك المعارضة، وصولًا إلى اتهامات الخيانة والعمالة، ويصبح كل حكم بخلاف رغبة الحاكم هي مؤامرة يشارك فيها القاضي وتعرضه لما سبق ذكره من الأخطار وأكثر منها، عندها تتجه الأنظمة الشمولية لتدجين القضاء الذي يكون قد تم خلخلته بالفعل، فيصبح القضاة على ثلاثة أنماط رئيسية:

1- إما قاض فاسد يقربه النظام ويعلو به درجة وراء أخرى وهو مطمئن أن له عليه ذلة، فمثل هذا القاضي كالعجينة الطرية في يد صاحبها.

2- وإما قاض خائف فهو يحكم بخوفه لا بالعدل، والخوف جبلة بشرية خاصة في تأثيراته في تلك الأنظمة.

3- وإما قاض مسيس تحت تأثير الإعلام الأحادي الذي يبث سمومه ليل نهار، فهو قاض مقتنع تمامًا حتى دون ترغيب وترهيب أن أحكامه التي توافق هوى الحاكم إنما هي من أجل الوطن، وأنها هي الحق المبين!

(17)

أما من يحاول من القضاة أن يصبح جزيرة العدل وسط هذا الطوفان، فسرعان ما سيجد نفسه خارج منظومة القضاء، إما بتهمة ملفقة، أو ببلية مبتلاة، أو بحادثة، أو بأي وسيلة كانت، وتعددت الوسائل والنتيجة واحدة، ولا يتصور بأي حال من الأحوال وجود قضاء عادل في الأنظمة الشمولية، هل يتصور مثلًا وجود قاض يخالف هوى (هتلر) في النظام النازي، أو هوى (موسوليني وفرانكو) في أنظمتهم الفاشية؟! إن القضاء هو (عنوان الحقيقة) فقط في الأنظمة الحرة، أما في الأنظمة الشمولية هو عنوان لطمس الحقيقة وليس عنوانًا لها.

(18)

ففي الأنظمة الفاشية يعترف المتهمون تحت التعذيب، ويعمل وكلاء النيابة ويحكم القضاء تحت الترغيب والتهريب والتوجيه والتسييس، فيتحول بذلك إلى أحد ادوات التنكيل للحكومات القمعية، مثله في ذلك مثل الأجهزة الأمنية والمؤسسات الإعلامية التحريضية، وغيرها من أذرع الدولة الباطشة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد