أكتب لأنني لم أجد طريقةً أفضل للانتحار، ولأنني لا أستطيعُ استبدال عصير البندورة بدمي، أكتبُ بالحتميّة ذاتها التي ترتفعُ فيها السنبلة، ويفيضُ البحر، ويكتظُّ الثديُ بالحليب، هل يجيبكَ ثديُ المرأة، إذا سألته لماذا هو مكتظ بالحليب؟ إنني أكتبُ لتصبح مساحة الفرح في العالم أكبر، ومساحة الحزن أقلّ، أكتبُ لأغيّر طقس العالم، وأجعل الشمس أكثر حنانًا، والسماء أكثر زُرقة، والبحر أقلّ ملوحة، إنني أكتبُ حتى أتزوّجَ العالم، حتى أتكاثر، حتى أتعدَّد، حتى أصبح 150 مليون نزار قباني، هكذا أجاب نزار قباني عن (لماذا تكتب؟).

إن ما قاله نزار قباني يؤكد أن الكتابة تتعدى أهدافها إبراز مهارة الكاتب في تصفيف الحروف كما تصفف المرأة شعرها لتبدو أنيقة ورشيقة ورقيقة، بل هي رسالةٌ إنسانية ساميةٌ هدفها إيصال السناء إلى عقول القراء، ونثر بذور الأفكار في رحم الأرض وسقيها بالحنان والحب حتى تنمو ويستمتع الجميع بمنظرها ويتعطر برائحتها الجميلة، وهي وسيلة راقية يعبر بها الإنسان عما يدور في نفسه وفي المجتمع من مشاعر ورؤى وأفكار تبين الخلل في المسيرة وتصحح المسار.

فالكتابة كما قال عنها ابن خلدون (صناعة شريفة ومن الخواص التي تميز الإنسان عن الحيوان، وتطلع على ما في الضمائر وتتأدى بها الأغراض إلى البلد البعيد، فتقضى الحاجات، ويطلع بها على العلوم والمعارف وصحف الأولين، وما كتبوه من علومهم وأخبارهم؛ فهي شريفة بهذه الوجوه والمنافع).

وبالعودة إلى (لماذا نكتب؟)؛ هو سؤال يراود كل من دخل عالم الكتابة باعتبارها عملًا إنسانيًا، فمن الطبيعي أن تختلف النظرة إليها باختلاف زاوية النظر، وهذا أمر طبيعي لأننا بشر والاختلاف يثري المشهد ويجعله أكثر جمالًا. فهل نكتب لأن الكتابة فرصة لأن نبوح عن آلام الرُّوح ونفصح عن بعض مُعاناتها؟ هل نحاول – حين نحلِّق بعيدًا بأفكارنا وأهدافنا ومشاعرنا – الإفلات من سجن الواقع المرير؟ هل نكتب رغبة في أن نبقي أفكارنا حية بعدما تموت أجسادنا؟ وتبقى الأجيال اللاحقة تتذكرنا؟ هل نكتب كي نعلن أن ثمة أخطاء في العالم يجب أن تزول ومسارات يجب أن تصحح؟ هل نكتب لأننا لا نجد شيئًا نفعله غير الكتابة؟ أم أن الكتابةَ هوسٌ يلاحقنا حتى في غمرة انشغالاتنا في طقوس الحياة اليومية؟ هل نكتب لننال رضا الحاكم فيعطينا مجدًا ومالًا وشهرةً ومناصب؟

مهما اختلفت دوافع الكتابة تبقى أسمى الدوافع الإنسانية للكتابة هي أن ينظر الكاتب للكتابة على أنها رسالة إنسانية راقية يستطيع من خلالها بث الأمل في نفوس الناس، وينثر الأفكار أمامهم ويزرع دروبهم بالورد، فرب فكرة أو كلمة أو معلومة تكتبها اليوم تكون سببًا في سعادة إنسان بعد حين، كما فعلت المرأة العجوز التي كانت تصعد للقطار يوميًا وتنثر البذور على جانب القطار، فلما رآها رجل استغرب من فعلتها وسألها عن السبب؟ أخبرته برغبتها أن تسافر وترى الورود ذات الألوان الجميلة طيلة الطريق، وحينما سألها عن إمكانية نمو هذه الورود بسبب انعدام الماء؟ قالت: أظن أن الكثير منها سوف يضيع هدرًا، ولكن بعضها سيقع على التراب، وسيأتي الوقت الذي تسقط فيه الأمطار فتنمو وتزهر، ظن الرجل أن المرأة بها خَرفٌ، لكنه بعد فترة جلس في نفس القطار، فرأى الأزهار والورود، وسمع ابتسامات طفلة في المقعد الذي أمامه كانت تؤشر بحماس من النافذة وتقول لأبيها: انظر، كم هو جميل الطريق؟

فقال في نفسه: الآن فهمتُ ما كانت تفعله السيدة، حتى ولو لم تتمتع بجمال الزهور التي زرعتها، فإنها سعيدة أنها قد منحت الناس هدية عظيمة.

يا لها من رسالة جميلة حقًا. ألق أنت بذورك، لا يهم إذا لم تتمتع برؤية الأزهار، بالتأكيد أن أحدًا ما سيستمتع بها.
إن قصة المرأة العجوز تبين لنا أن غرضها من نثر البذور كان بدافع أن تسعد ناظر الإنسان الذي سيمر من تلك الطريق، وهكذا يجب أن تكون الغاية من الكتابة، والإجابة على (لماذا نكتب؟).

.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد