منذ أن نولَد في هذه الدنيا نُجبَر على تقبل ما يُلقيه أباؤنا والعالم من حولنا في آذاننا من أوامر ومواقف مختلفة دون أن نمر بمرحلة التنقية عبر مرشحات العقل، لا نناقش ولا نجادل ونرى دائمًا أن الدنيا ما هي إلا مجموعة من المسلَّمات التي لا تقبل التغيير، قوانينها ما هي إلا أشبه ما يكون بالقوانين الرياضية التي تُطبَّق بحذافيرها ولكننا لم نفهم المعادلة بعد ولم نعي ماهيتها.

من الممكن أن لا تكون هذه المرشحات تطورت بعد أو حتى بدأت في العمل وهذا يعد سببًا قويًا في البقاء عند نقطة الصفر دون حراك، وسببًا قويًا لبقاء سهم البوصلة ثابتًا حتى وإن تحركنا.

ولكن بمجرد أن تصل إلى سن المراهقة ومرحلتها، تبدأ في التمرد على كل تلك القوانين وتعمل كل خلايا عقلك لكي تكسر تلك القيود التي وُضِعَت حولها ولكن في الطريق الخاطئ تحت قيادة العناد والتهور.

وعندما تصل إلى الشباب تتولى خلايا النضج في عقلك القيادة، وهو ما يجعلك تهدأ وتبدأ في السير في طريق آخر جديد فتتضح أمامك الرؤية والمعادلة الصحيحة.

حينها ستصطدم بآلاف النسخ من البشر المكررة في الطباع والمواقف وردود الأفعال دون أي تغيير أو اختلاف. لا أقصد بالطبع الاختلاف على الثوابت مثل ثوابت الدين والعقيدة ولكني أقصد اختلاف المواقف، اختلاف الأحلام والطموح.

يريدون أن تُقضى سنوات حياتهم هكذا في سلام دون أن يضطروا إلى خوض تجارب جديدة خوفًا من الفشل -رغم أن هذا هو الفشل بعينه- وحين تبدأ نقاشًا معهم غالبًا ما ينتهي النقاش بجملة «هذا ما تربينا عليه ووجدنا عليه الأقدمون»، أحيانًا يكون اختلافك صفعة قوية على وجه الروتين الذي اختاره الجمع لكي يسير فيه، واختلافك هذا يوقظ ضميرًا قد أُخمِد منذ أعوامهم الأولى في هذه الحياة، وربما تكون لمعة الأمل في عينيك تصيبهم بالإعياء.

يحاولون جذبك إلى النمط التقليديّ حتى لا تمثل شوكة في حلْقهم أو يسخرون من رغبتك في قلب الأمور دائمًا والنظر إليها بعين أخرى.

لم يدركوا أن هذه الدنيا ساحة معركة نتنافس فيها جميعًا للوصول إلى مراد الله هنا «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً».

لم يدركوا بعد أن الخلافة في الأرض لا تكون بما هو تقليدي ومستنسخ من الماضي دون استحداث أرواح جديدة تحمل بداخلها ولعًا للتعلم وشغفًا لكل ما فيه صلاح هذه الأمة، لم يدركوا بعد أنهم مذنبون في حق أنفسهم ولن يدركوا ما لم يتحرروا من الأقفال الموصدة لعقولهم.

أحيانا نكره كل ما هو إضافي وجديد في عالمنا لأننا لم نعتد عليه، ولكن إلى متى سنظل نحيط أنفسنا بتلك الشرنقة التي تبقينا في منطقة الراحة؟، لن نجد في هذه المنطقة ما يرضي شعلة الطموح والمواهب بداخلنا.

كل ما عليك يا صديقي أن تدرك أنك موهوب حقًا وهبك الله عقلًا وعملًا وسعيًا في ميادين الحياة المختلفة دون أن تملّ وتبحث عن الراحة فيها، عليك أن لا تلتفت وأن تمضي في طريقك كما أنت، تصمَّ آذانك عن عاداتهم المتكررة وتخلق مجتمعك الخاص حتى وإن لم يتجاوز حدود عقلك في البداية ولكنه حتمًا سيرى النور إن آمنت به وأيدت إيمانك بالعمل والسعي.

إن أنت آمنت بعقلك وبما يسعك تعلمه دون أن تخلق لنفسك حدودًا وسدودًا أمامك حتى وإن كانت موجودة حطِّمها وابنِ بدلًا منها جسورًا إلى الطريق الآخر .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد