«غاندي» في المقدمة

يقول غاندي: «كُن أنت التغيير الذي تريد رؤيته في العالم».
يُقال إنه في الهند قديمًا جاءت سيدة إلى «غاندي»، وطلبت منه أن ينصح ابنها بالكف عن أكل السكر والحلوى، ويوضح له مدى ما بها من أضرار على صحته (باعتبار أن غاندي كان قُدوةً في ذلك الوقت)، فأعرض عنها غاندي وأخبرها بأن تأتي بعد ثلاثة أسابيع، ففعلت السيدة ما أمر به غاندي وعادت بعد ثلاثة أسابيع، فأعرض عنها ثانيةً، وقال لها: «عودي بعد ثلاثة أسابيع أخرى»، ففعلت المرأة ما قاله لها وهي مندهشة، وعادت له بعد ثلاثة أسابيع في أملٍ منها أن ينصح ابنها وينهره، لكي لا يأكل الحلوى بشراهة.

ولكن هذه المرة قد فعل «غاندي» ما أرادت، ونصح ابنها بالكف عن تناول الحلوى، وقد وضَّح له ما بها من أضرار على صحته، ولكن هنا قد تعجَّبت المرأة وسألت غاندي لماذا لم يفعل ذلك منذ المرة الأولى ويُريحها من ذلك العناء؟!
فقال لها بأنه كان يحب أكل السكر والحلوى كابنها تمامًا، فلم يُرِد أن يطلب من ابنها الكفَّ عن أكل الحلوى، وهو أصلًا يأكلها!

وهنا تتجلَّى مقولة «فاقد الشيء لا يُعطيه»، وتظهر لنا هذه المقولة كثيرًا في الحياة العملية.

«العقاد» يحذر من المماطلة في أداء الواجبات

يبدأ عباس محمود العقاد (الأديب المصري الكبير) مقاله قائلًا: «إذا كثُرت المطالبة بالحقوق قلَّ العمل بالواجب»، فالكاتب هنا قد اختصر، وقدَّم مُجمل الحديث في العبارة السابقة؛ فإذا انشغل الفرد بحقوقه والمطالبة بها، وجلس يقول مثلًا: «أين حقوقي؟» دون أن يُلقي أي اهتمام لما عليه من واجبات، فلن ينال حقوقه، فمُجمل الحديث أن كل فرد في هذا المجتمع يجب عليه أن يبدأ بنفسه أولًا، دون النظر لأحد.

ابدأ بنفسك أولًا.. ثم قُل ما شئت

دخل علينا مدرس اللغة العربية بعباءته، وعصاه الغليظة، وهاتفه المحمول الذي هو من النوع «سامسونج»، وإطلالته المُعتادة. وكعادته، يُلقي السلام، ثم يكتب بضعة أسئلة عن الدرس – الذي سنأخذه في تلك الحصة- على السبورة، ثم يجلس على كُرسيه مُمسكًا بهاتفه المحمول مُقلِّبًا به، لا أحد يعرف بماذا يُقلِّب، ولكن على كل حال فذلك لا يهم، فهو لا يشرح أي شيءٍ أصلًا، فيجلس أو لا يجلس، يُقلِّب أو لا يُقلِّب، ففي كلتا الحالتين، نحن غير مستفيدين من هذا، ولكن.. فجأة وقف الأستاذ وبدأ يتحدَّث وينصح فينا، فبدأ يقول لنا بأسلوبه العامِّي: «إنتوا مضحوك عليكوا، مصر مش أم الدنيا، إحنا شعب مابيحبش يشتغل، ولا الكلام بيأثر فيه، إحنا لو كنا بنعمل الحاجة الصح كنَّا زمانَّا تقدَّمنا دلوقتي»، في الحقيقة – وبعيدًا عن مدى صحة كلامه- الذي أثار فضولي هو أنه لا يشرح أصلًا في الفصل، أقصد أنه لا يبدأ بنفسه، فكيف يُريد التقدُّم أو حتى الخير لنا، وهو لا يشرح درسه في حصته، كيف يُريد ذلك وهو لا يقوم بواجبه، كيف يريد ما يُسميه تقدمًا وهو جالس على كرسيه مُقلِّبًا بهاتفه المحمول، كيف ينصح فينا وهو لا يمتلك من الذمة والضمير ما يجعله قُدوةً أو حتى ناصحًا يؤخذ بنصيحته، لن ينال التقدم الذي يريده هو ويأمله إلا عندما يبدأ بنفسه، ويكُفَّ عن الهراء الذي يفعله يوميًّا؛ ففاقد الشيء لا يُعطيه.

تكثر الأمثال والأمثال

تكثُر الأمثال والأمثال على نفس الموضوع، فنرى مثلًا شابًا يتحدَّث عن التحرُّش، وهو أصلًا يسير في الشارع يتحرَّش بالفتيات! يتحدث عن القمامة مثلًا وهو يرمي قمامته هنا وهناك في كل الشوارع! يتحدَّث في الدين وهو لا يُصلي أصلًا! الأمثال كثيرة، لك أن تبحث وستجد الكثير.

الشاعر أبو الأسود الدؤلي يعظ

يقول أبو الأَسود الدؤلي في قصيدته (التي قصد بها الإنسان القائل بما لا يفعل، والناصح بما لا ينصح به نفسه أولًا):

يـا أيـهــا الرجــلُ المـعـلــمُ غـيـرَهُ .. هــلَّا لنـفـسـك ذا التـعليـــــــمُ
تصفُ الدواءَ لذي السِّقام وذي الضَّنى .. كَيْما يصِحُّ به وأنت سقيمُ
ابــدأ بـنـفـسـك فانههـا عن غَيِّـها .. فإذا انتهـت عنـه فأنـت حكيـــمُ
فـهُناك تُـعـذر إن وعظـتَ ويُقتدى .. بالقولِ منك ويحصل التسليــمُ
لا تنـهَ عـن خُـلُـقٍ وتأتـي مثلـهُ .. عــارٌ عليـك إذا فعـلتَ عظيـــــمُ

فيعظ الذي يتحدَّث بما لا يفعل، ويصفه بالطبيب الذي يصف الدواء للمرضى وهو أصلًا مريض، كما يقول إنه من العار أن ينهي الشخص الناس عن فعل شيء معين، ويفعله هو!

القرآن الكريم يحث على التغيير

يقول تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» أي أن الله تعالى لا يُغير من سلوك وحال أي شخص إلا إذا قام هو أولًا بالتغيير من نفسه، أي: «ابدأ بنفسك، والله سيُعينك».

الخاتمة

«الكل يُريد تغيير العالم، ولكن لا أحد يُريد تغيير نفسه!»، فعلى كل مَن يقرأ هذا المقال أن يُعيد التفكير، ويحاول التغيير من نفسه أولًا، ثم البدء في تغيير العالم، كما يتمنَّى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد