الزواج سنة من سنن الله أودعها في خلقه؛ ونعمة أنعمها على البشرية ولم يحرم منها أحد إلا من أبى، وجعل الله زواج سكنًا ومصدرًا لطمأنينة والرحمة قال عز وجل: «وَمِنْ ءَايَٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَآيَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ».21 الروم، وفي شرع الله جعل الزواج علاقة مقدسة اهتم بها ونظمها، وبين حدودها، وما للزوج وما عليه، كما وضح حقوق الزوجة وواجباتها، في الإسلام اعتبر الزواج أشبه بتجارة بين الرجل والمرأة، فالزواج في الإسلام يبنى على شروط ومواثيق يجعل فيه كل من الزوج والزوجة شركاء في بناء أسرى جديدة، يؤخذ على عاتق كل من الزوجين، في علاقة تكاملية أي أن الزوج له دور وواجبات وله حقوق على زوجة؛ والزوجة دورًا وواجبات وعليها حقوق لزوج أيضًا، فإذا ما جمع دور الزوج والزوجة، وأدى كلا الزوجين حقوقهم تجاه بعضهم البعض واتجاه أبنائهم حصلت على أسرى التي ينشد الإسلام إليها.

بالرغم من انتشار الإسلام منذ ما يزيد عن 1400 تجد أن المجتمع الإسلامي ما زال يعاني من فهم معنى الزواج بمفهوم الشريعة الإسلامية، وتولد لدينا عائلات لا تعرف لمقصد من زواج، وعائلات أخرى تشتعل بها الخلافات وتدب الفتن، وانتشر الطلاق والخلع، ودفع الأطفال ثمن زواج لم يقم على أساس متين، فالمجتمعات الإسلامية عانت من انتكاسة كبيرة في فهم الإسلام كدين مع سقوط الخلافة العثمانية، ووقوع الدول الإسلامية تحت الاحتلال الأوروبي، وانتشار القوميات والأعراق على حساب فهم الأمة التي لا يفرقه عرق أو دين، وعلى العكس من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال به: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك. متفق عليه، نجد أن هناك أسبابًا أخرى انتشرت كسبب للزواج، وبعض الزيجات تنجح بالرغم من كونها زيجات شاذة في هدفها والغاية منها، وكثيرًا ما تفشل.

سنحاول أن نفصل لماذا يتزوج شباب الأمة وفتياتها في هذا الزمان؟ ولماذا قد تنجح بعض هذه الزيجات؟ ولماذا يكون مصير أكثر هذه الزيجات هو الطلاق أو الخلع؟

1- زواج الغريزة: وهو زواج يشترك به الإنسان مع سائر مخلوقات الله، الهدف الوحيد من هذا الزواج إشباع الرغبات الجسدية التي أودعها الله في الإنسان والحيوان على حد سواء، وفي هذا الزواج يكون ناجحًا إذا حمل كل من الزوجين نفس الهدف من الزواج، فتكون العلاقة بين الزوجين قائمة على إشباع رغبات الآخر، سواء كانت رغبات فطرية تناسلية مثل الجماع، أو فطرية أساسية، مثل: طعام، وشراب، وسكن، وبعض الكماليات مثل الإنترنت وغيره، في حين الانجاب يكون نتيجة تحصيل حاصل لعلاقة جسدية طبيعية لا أكثر ولا أقل، أو تكون مطلبًا غريزيًا طبيعيًا كما هو مطلب غريزي عند باقي الحيوانات، وبلا شك نسبة الطلاق والخلع في مجتمعاتنا نتيجة لهذا الزواج غير السوي، حيث يكتشف أحد الزوجين أو كلاهما أن العلاقة مع الطرف الآخر غير صحيحة، وهناك واجبات أخرى لا يمكن للطرف الآخر أن يلبيها.

2- زواج الفؤاد: يعد هذا الزواج ارقى من زواج الغريزة، حيث يوجد لدى أحد الزوجين أو كليهما سبب قوي لزواج أرقى من إشباع الغريزة الفطرية، وعيب هذا الزواج كون أحد الزوجين أو كليهما أعجب بصفة أو خصلة بطرف الأخرى، وأصبح يراه فقط من خلالها، فظن أن هذه الخصلة أو صفة هي ما يبحث عنه في شريك حياته، وينجح هذا الزواج في كثير من الحالات إذا ما طغت هذه الصفة على باقي العيوب ونجح الزوجين في الانتقال من مرحلة الحب والإعجاب إلى مرحلة أسمى وهي المودة، ويساعد في نجاح هذا الزواج أحد أمرين، أما عطاء الزوجين والمشاركة في الواجبات فيما بينهم، أو تنازل أحد الزوجين عن حقوقه والمبادرة المستمرة في العطاء بما يفوق ما عليه من واجبات، أما سبب فشل هذا الزواج فيكون في الغالب اكتشاف أحد الزوجين أو كليهما أن هذا هذه الصفة ليست صفة كمال، ولا قيمة لها في حقيقة، أو أن هذه الصفة ليست أكثر من صفة يمكن أن يمتلكها آخرون، ويبدأ عد هذا الشعور عندما يكتشف أحد الزوجين أو كلاهما أنه لا يحظى بما كان يريد من زواج، أو أن الزواج ليس بالمستوى الذي كان يتوقعه.

3- زواج المصلحة: انتشر زواج المصلحة بين الشباب والفتيات هذه الامة، وقد يكون المصلحة هروب الفتاة من منزل الأهل معتقدة أن زواجها من شخص يعني بيت مستقل تنام وتعمل وتسهر وتخرج دون حسيب أو رقيب، أو قد يكون زواج الفتاة من شاب لكونه غنيًا ومقتدرًا ماديًا، قادر على أن يوفر لها طلباتها وخاصة الكماليات منها، وقد يكون الهدف عكسيًا، أي أن الشاب يتزوج من فتاة لكونها من عائلة غنية، أو ذات وزن اجتماعي، ينجح هذا الزواج إذا كانت المصالح المشتركة كبيرة، حتى وإن كانت على حساب حياة زوجية حقيقية، وفي الغالب إذا كان يعرف كل من الزوجين حدود المصلحة والهدف من الزواج بقدر ما كان استمرار هذا الزواج أكثر نجاحًا، يفشل هذا الزواج إذا لم يكن يعلم أحد الزوجين الهدف من الزواج، وهذا يحدث كثيرًا، كما يفشل هذا الزواج عندما يكتشف أحد الزوجين أنه لا يحقق المصلحة المطلوبة، ولا يجني ثمار هذا الزواج؛ مما يجعله يشعر بأن الزواج أصبح عبئًا عليه، ويجب التخلص منه.

4- زواج الفطرة: كثيرون من يعتقدون أن زواج الفطرة هو نفسه زواج الغريزة، وهذا غير صحيح، من حيث أهداف من الزواج، حيث يقوم زواج الفطرة على منطق أن هناك حقوقًا وواجبات يدركها أحد الزوجين أو كلاهما، ويعرف في الغالب أحد الزوجين أو كلاهما حقوقهم وواجباتهم، وفي الغالب يكون مصاحبًا لزواج الفطرة صفات يرغب أحد الزوجين أن تكون موجودة في شريكه، وكلما عرف أحد الزوجين أو كلاهما صفات التي يريدها في شريكه، وتحرى عنها كلما أصبح هذا الزواج أكثر قوة ومتانة، وفي الغالب إذا كان أحد زوجين يبحث عن شريكة ضمن زواج الفطرة كلما كان امله أكبر في الحصول على شريك ضمن نفس الدائرة في خلاف الزيجات السابقة، حيث قد يتزوج رجل يبحث عن زواج الغريزة بزوجة تبحث عن زواج المصلحة مثلًا، وفي هذا الزواج قد يلتقي زواج الغريزة مع زواج المصالح مع زواج الفؤاد، ويكون ناجحًا جدًا، ونادرًا ما يفشل هذا الزواج، وقلة من يتزوجون وفْق ذلك، حيث يطغى زواج الغريزة والمصالح على جميع الزيجات المعاصرة.

5- زواج المقاصد: يعد هذا الزواج ارقى انواع الزيجات ولا يتزوج به إلا القلة وصفوة الصفوة، حيث يضع الزوج معايير خاصة لزوجته والعكس صحيح، ثم يحدد الأهداف من زواج وماذا يطمح أن يحقق من زواجه، وفي الغالب تكون هناك خطة لزواج وكيفية إدارة مراحل الحياة من لحظة تعرف على بعض وإعلان زواج وصولًا إلى مصير أطفالهم، وماذا يريدون أن يصبحوا، يقوم هذا الزواج على مكاشفة بين زوجين والالتقاء في الأهداف ومصالح وطموح والأحلام، يعتبر هذا نوع من زواج حلم كل فتاة مثقفة، وفي الغالب تتخلى عنه عندما لا تجد شريك مناسب يحمل صفات والمبادئ والأهداف المشتركة، أما الشباب فالصفوة الشباب من أصحاب الهمم العالية، والنظرة المستقبلية والأحلام الكبيرة هم فقط من يبحثون عن هذا النوع من زواج، من صعوبات إتمام مثل هذا الزواج ندرة الشباب والفتيات الباحثين عن هذا النوع من الزواج، والأصعب من ذلك عندما تجد الشخص المناسب لك قد لا تكون أنت الشخص المناسب له، فأهدافك وطموحك قد لا تكون أهداف وطموح الشريك المفترض، وأكثر شخص يمكن أن يعبر عن ذلك الكاتب المصري أنيس منصور الذي وصف نتائج ثمرة بحثه عن الزوجة المناسبة فقال: «قررت ألا أتزوج حتى أجد المرأة المثالية، حتى وجدتها، ولكنها كانت تبحث عن الرجل المثالي»، وطبعًا لم تكن أنيس ذلك الرجل.

لن نحرم ما أحل الله، ولكن كي لا يكون مصير زواجك، أما الطلاق، أو الخلع لا تجعل من زواجك ضمن زواج الغريزة أو زواج المصالح أو زواج الفؤاد، واتبع أضعف الإيمان واتبع زواج الفطرة، وإن كنت من أبناء العزم والصبر فجعل من زواج المقاصد هدف، بأمثال زواج المقاصد جاء إلى الدنيا كبار العلماء والأمة أمثال عمر بن عبد العزيز، والإمام أبي حنيفة النعمان، وصلاح الدين الأيوبي، وما جمعهم إلا المصادفة والتوفيق من الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد