(1)

ما هو الوطن؟!

«ليس ذلك سؤالا تجيب عنه وتمضي، إنه حياتك وقضيتك معا»         *محمود درويش.

قالت لي  بلسان بارد أبرد من تلك الأفاعي ذوات الدم البارد (اللي مش عجبه البلد يسيبها ويمشي).

عادة لا أقوم بالرد  على تلك النبرات، لكن في تلك المرة بالذات رددت ساخرا أنني أتمنى أن أمشي ولكن الأغاني الوطنية المصرية هي ما يمنعني عن الرحيل!، أحتقر دائما من يتحدثون باسم الوطن والوطنية، فلو كانت عندهم الشجاعة الكافية لمواجهة الواقع في هذا الوطن، لما تحدثوا باسمه.

لبرهة بعد الرد الساخر فكرت في ما الذي يبقينا ضمن منطقة جغرافية مساحتها مليون كيلو متر مربع؟! بالطبع ليس للأمر علاقة بالتفسيرات العقلانية، فلا يوجد ما هو عقلاني في حب  بلد لم ترتكب ذنبا في حياتك سوى أنك ولدت فيها، والذنوب اللاحقة فرضت عليك جبرا وحينما حاولت أن تصلحها أصبحت مغتربا داخل وطنك.

دائما ما كنت أعتقد أن لا شيء يستحق الموت من أجله، إلا الموت ذاته.  فالحياة رحلة يجب أن تستمتع بها إلا أن يأتيك القدر، ولا تستعجله مهما  كانت الأسباب، لذلك  لا تستهويني تلك الشعارات الوطنية الجوفاء، بالرغم من أنني لا أقدر أن أتنكر لها في داخل ذاتي وإن كنت أفعل حينما يأتي ذكر الوطن، ويحدث ذلك في نفسي حالة من التناقض الداخلي لا يقدر أحد على تفسيرها ولا حتى أنا.  

(2)

«حب الوطن شيء آخر عندما تتراجع كل القيم ينهض فينا كمرض لذيذ تصعب مقاومته»            *واسيني الأعرج.

لم أكن أصدق هؤلاء الذين يتحدثون عن  الحنين للوطن، وأن الغربة كئيبة مزرية، كنت أقول لهم «أن تعيش في بلد غريب عنك أفضل لك من أن تعيش غريبا في  بلدك»، دائما ما كان ذلك الشعور بالاغتراب يؤرقني، لم أستطع يوما أن أقولها بفخر أنني أنتمي لهذا المجتمع بكل ما فيه من أمراض، كنا حين نجلس على القهوة وتأتي سيرة الوطن تتراوح تعليقات الحاضرين بين السباب وإصدار أصوات من الأنف تشبه «شخير النائمين»، كنا نضحك على تلك المعاني الطفولية الجوفاء للوطن بأنه الأهل والأصحاب والمكان الذي ولدت فيه،  بحكم التمرد على السلطة الأبوية أنكرنا كل شيء له علاقة بالأهل، وبحكم التمرد على المجتمع  أنكرنا كل شيء على علاقة من قريب أو بعيد بوطنية الناصريين وقضاياهم الساخرة، كنا نسب ونلعن في الجميع،  ونتمرد على كل شيء بما في ذلك أنفسنا نحن، تحولنا مع الوقت إلى ما يشبة المسوخ التي تسعى لتغيير العالم ليكون أكثر قبحا مما هو عليه، ظننا أننا دائما على حق، لا يمكن أن يحمل شخص طبيعي مشاعر إيجابية تجاه جلاديه، الوطن كان هو الجلاد ونحن الضحايا، كلنا لسنا للوطن فالوطن إن لم يكن لنا فنحن لسنا له.

فالوطن الذي يتنكر لأبنائه لا يصح أن يطلق عليه وطنا!

(3)

«دماء الشهداء هي التي ترسم حدود الوطن»         *تشي جيفارا 

ماذا لو كان من ماتوا فداء لهذا الوطن ماتوا هباء؟! كنت أشعر تجاه الشهداء بقدر كبير من الحسرة لا لموتهم ولكن لأنهم بلا أي سبب يدعو للموت،  ذلك لم يمنعني من ممارسة النشاط السياسي ولكن كنت أحافظ عليه في حدود ما يمكن، صراحة  كان عقلي لا يتحمل فكرة  أن أقتل في سبيل وطن حتى لو كان هذا الوطن هو (لوكسمبورج).  ولماذا من الأساس يمكن أن نقتل في سبيل شيء؟ ما دام يمكن لنا أن نعيش من أجله، فلو أننا كلنا قتلنا فمن يبقى للوطن؟!، ثم إنني أعتقد أننا لم نولد لنموت من أجل الوطن، فليس الهدف الأساسي من حياتنا بالطبع هو الدفاع عن الوطن، ولدنا لنعيش ونحلم ونشعر بالسعادة، لا لنموت!

كل ما سبق تساؤلات مشروعة حتى وإن لم تقبلها قلوب الوطنيين فقلوب الإنسانية أكثر رحابة  منها!  ترى هل لو ولد الشخص في وطن يوفر له كل السبل المادية والروحية لكي يلتقي بإنسانيته فيه، هل لو وجد ذلك الوطن هل سيحبونه أيضا أم  أن الوطن فقط مرتبط بالمعاناة والدماء والشهداء. لم أبك يوما على واحد منهم ولم أبك على شيء ضاع فداء لهذا الوطن، فالبكاء لا يرد الغائبين كما أن الدموع ولو سالت أنهارا لن تأتي بالحقوق.

فليسقط الوطن، ويترك الشهداء بين أهاليهم!

(4)

«عند الجوع لا يوجد خبز سيء»          *آرثر رامبو.

لا أجد أكثر وطنية في نظري من أولئك الذين أراهم يأكلون من صناديق القمامة، الأمر لا يتعلق بنظرة التعاطف الإنساني تجاههم ولكن يتعلق بالمأساة التي أوقع الوطن هؤلاء فيها، فتخيل أنك مجبر على أن تنتسب لوطن تأكل من صناديق قمامته، وحينما تدق طبول الحرب فأنت أول المدعوين للدفاع عن الوطن.

عند الجوع يتجرد مفهوم الوطن عاريا من كل الزيف الذي يحيطه به الشعراء، ليقف أمامنا منتصبا ينظر بعين ساخرة ونظرة نرجسية تجاه من أقام عليهم حد الحب له، فالوطن شخص متجبر يا أولئك الشعراء، ولم يمتلك يوما أية أحاسيس تجاه مواطنيه، فكل يأتي ويذهب وتتعاقب الأجيال وهو باق، تماما كما الجبلاوي في أولاد حارتنا، لا يعير انتباهه للجوعى ولكن يهمه أن يظل اسمه شريفا.

فعند الجوع يوجد أوطان سيئة وليست وطنا واحدا!

(5)

«ما الفائدة من الاسم إذا كان صحيحا والوطن نفسه معتلا»           *محمد الماغوط.

أقف في شرفة  شقتي  في الصباح، أرى تلك الكتل الإسمنتية الخالية من أية أحاسيس تقف أمامي شامخة، تخرج لسانها وكأنها تقول لي أنت المجبر أنت تعيش هنا فأنا لست بحاجة إليك، أحاول أن أتخيل إحساس مهندس الشركة المسئولة عن بنائها، كان يحاول أن يبني شيئا يدفعنا جميعا للانتحار ليبقى هو وشركته وحكومته على أرض الوطن ينعمون بخيراته.

أنظر لأسفل، أجد الأطفال الذين يذهبون مبكرًا لمدارسهم وعلى ملامحهم ترتسم ملامح تلك اللحظة ما بين النوم واليقظة، يحملون على ظهورهم هم الوطن، يحاولون جاهدين أن يصلوا للمدرسة في الموعد حتى لا يتعرضون للعقاب من كلتا السلطتين الأبويتين (المعلم، والأب)، أشفق كثيرا عليهم، هم يذهبون لمكان ما من المفترض أن يتعلموا فيه كيف يفكرون، فتجدهم يخرجون أبلها تلو الآخر من المدرسة، وقد ارتسمت على وجوههم ملامح السعادة تماما كما الخارج من السجن بعد فترة طويلة قضاها، وهذا يفسر تباطؤهم في الذهاب، وسرعتهم في الإياب. تمنيت أن أهبط إليهم لأقنعهم بعدم الذهاب، لكن أدركت أنني سوف أفضل بالتأكيد مع أول محاولة. وياليتني كنت أمتلك آلة للزمن لنتشبث بها أنا وهم فقط حتى نعبر تلك الفترة الزمنية من حال الوطن.

هناك على الرصيف المقابل عامل يجلس ينتظر أن يأتي أحد الأشخاص،يطول انتظاره، أهم أن أنزل لأبحث عن شيء آكله في هذا الصباح الباكر، أشعل سيجارة وأنا هابط على السلم، أنظر للعامل (الفواعلي) على الجهة الأخرى من الشارع، أجده ينظر نحو عيني وكأنه يقول «أنتم يا أبناء تلك العمارات الذين تجلسون في التكييف سبب بلائي»، أبادر بتبرئة نفسي من تلك التهمة فأعرض عليه سيجارة، يأخذها ويقول (وأجنبي كمان)، أبتسم له وأكمل طريقي.

اللعنة على ذلك الوطن الذي يضعنا موضع الاتهام!

 «أتعرفون ما هو الوطن يا أولئك الوطنيون؟!

الوطن ببساطة ألا يحدث كل هذا».            *غسان كنفاني بتصرف

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الوطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد