العـامة، هم أكثـرية الشعـب، الغالبـية العظمـى من طوائـف الوطـن، يوحدهـم مستـوى مادي واحد يصاحبـه مستوى ثقـافي وفكـري واحد، وأيًا كانـت هـذه الطائفـة، غـنيـة أم فـقيرة، مثقـفة أم جاهـلة فيطـلق علـيها مصطـلح العامة.

وفي مـصر، ومثـل كثـير من البلـدان، فالعامـة هنـا متوسطـة ماديـًا، وعلـى عكـس كثـير مـن البلـدان، فهـي منـحدرة فكـريا وثقافـيًا، هـم الجالسـون على المقـاهـي أغلـب أوقـات نهـارهم وليلهـم، يتـبادلون الحـديث العامـي والشائعات السافرة، يطلـق عليـهم البعـض «النـاس الطيـبة» وآخرون يسمونهم «حزب الكنـبة».

أما النخبـة، فهم المصطفـون من أبنـاء الشعب، الحكام، الوزراء، السياسيون، الاقتصاديون، والمثقفون، إليـهم يرجع أمـر البلاد، وبأيـديهم المفاتيـح.

كما هو معروف فالأغلبـية هي المحـرك الأساسي لأي تغيـير يحـدث على أرض الواقع، فإذا كانت هـذه العامة مثقـفة، تحسنـت أوضاع البـلاد والعبـاد، وانتقـلوا بذلك ليكونوا نخبـة، وفي رأيـي قد تصيـر كـل العامة لتصبح من النخبة، وهذا يحدث في الأمـم المتقـدمة التي مرت في سابـق عهـدها بمراحل الجهـل العامي الذي قتـل المجتـمع.

أعلم ما يجول بخاطـرك الآن، قد تحدثـك نفسـك قائـلة، يا رجل ما الذي سيدفعـني أن أترك حالة السلام النفـسي التي أعيشـها، وأخاطـر بأفكاري وتركيبتي إلى مجهول قد يسوؤني؟!

يا عزيـزي، حالـة السـلام النفسي التي تعيشـها ربما قد تشبـع رغباتـك الإنسانيـة، ولكنها تفتـت في عضـد المجتمع، تبـث سمـومها في جذوره وتفتـك به شـر فتكـة، أنـت ذبابـة الفاكهـة التي تميـت المجتـمع فلا يصلـح منه شيء.

سأسـرد لك في ما يلـي عـدة أسبـاب مقنعة ستدفعك بلا شك أن تغادر سلامـك الداخلـي المصطنـع، أو على الأقـل أن تفكـر بالأمـر.

أنـت آلـة نقـل أكاذيـب.. أنـت أحمـق كبيـر

تجلـس علـى المقهـى المجاور لمنزلك الدافـئ، وتطلـب كوب الشـاي المخلـوط بالنعـناع، وبالتـأكيـد لن  تنـسى نارجيلتـك الحبيـبة، يحاوطـك أصدقاء سنـك، ثم يبـدأ أحدهـم في رمـي أطـراف حديـث كاذب سمعـه عـن صديـق يدعي بأنـه موثـوق، أو يقسـم لك بأيمانـات الدنيـا والآخـرة بأنـه متأكـد من صحتـه كما يراك بعينيـه، مثـل هذا الحديـث يسمـى بالشائـعات، كـلام وأحاديث غير موثـوقة افتعلهـا صاحـب مصلحـة، وهو الوحـيد من هـذه الحلقـة الكبيـرة الذي يعلـم بأنها أكاذيـب. أما باقـي الحلقـة فمجـرد حمقـى، يساهمـون بشكـل كبيـر في هـدم أسـاس المجتمـع، ولا أبالـغ في ذلك.

ما كانـت الشائعات لتكون بمثـل هذا الضرر الكبيـر وقد حذرنا منها الله ورسوله، الشائعات هي أساس كل كذب وإدعـاء، وقد تتـطور الشائعـات في أحيـانًا كثيـرة إلى حرب واقتتـال، والتاريخ ملـيء بأمثـلة وأدلـة على ذلك.

أنـت لعبـة في أيـدي السياسييـن

مهما بلـغ العامة من ذكـاء محلي، فلا يمكن لتوقعاتـهم وافتراضاتهم السياسيـة والاقتصادية أن تكون صحيحـة، يفترضون الأمر بالنهار ثم يحدث عكسـه بالليـل، يرتبطـون بشخصيـة عامة أو سياسيـة لمجـرد أوهـام وعواطـف، يخبـرهم أحدهـم بآيـة أو حديث ليس في محـله، فيكادون يسجدون لـه، حتى أن الحكومات تستعملهم كفئـران تجارب في بالونات الاختبـار، وهم لا يدركون شيئـًا من أمـرهم.

وإذا أردت أن تعلـم السبب الحقيقـي للجحيم الذي تعيشه هذه البلاد، فهو أنت. يستغلـك الحكام للحشد والبطش والقتـل، وما بطش باطش إلا بدعمك أو بصمتك في الغالب.

لسـت مؤهـلًا أن تحكـم

تقـدم إلى شخـص من العامة وأخبـره بأن يتولى حكم البلاد أو منصبًا اقتصاديًّا كبيـرًا، أقول لك وبدون شك، ستسقـط البـلاد في اليوم التالي.

تلـك العقليـة العامية المسطحـة لا يمكنـها أن تتعامل إلا على المقاهـي وفـي الطرقات، ستتـخـذ قراراتهـا غيـر المتزنـة بنـاءً على شائعات، ولن تستطيـع أن تتعامل مع تلك الأخطـاء، فقـد اعتـاد هذا الشخـص أن يطلـق الأحكام والقرارات الافتراضية بشكـل غيـر مسئـول، ودون إدراك للنتـائج المرتقبـة، ستحسـره الأزمات حتى لا يستطيـع أن يفكـر بعقلـه، فتجـده يفكـر بجسده، ولن يجـد أمامـه إلا أن يبيـع نفسـه، أو جزءًا من تـراب الوطـن.

أنـت لا تقـرأ

قـد يكون ذلك نتيجـة لكونك عامـي، ولكنها دائـرة مفرغـة، أنت عامي فأنت لا تقـرأ، وأنت لا تقـرأ فأنـت عامي،

أنـت لا تقـرأ فأنت مسطـح التفكيــر، ضعيـف الحجـة، ولا تحتـرم آراء خصومـك، لا تستطيـع، وبكـل ما تحملـه الكلمـة من معنـى، أن تكمـل حوارًا إيجابيـًا واحـدًا، لم تقـرأ لتعلـم أن الهـدوء والصوت المنخفـض هما من سمـات النبـلاء الذين لم نعد نراهم إلا في الأفـلام الكلاسيكيـة القديمـة، لم ولن تعيـش حيـاة أخـرى، حتى أنـك لن تكمـل نصـف حياتـك، فحياتـك ما هـي إلا جحيـم يدب على ساقيـن، لن تستطيـع أن تتـذوق الفنـون، ولا تُقـدِر القيـم الحقيقيـة، وحقيقـةً إذا أردت فيصلًا واحـدًا للحكـم على شخـص إذا كـان عاميـًا أو لا، فيمكنـك أن تـرى إذا كان قارئـًا أو لا، فالقـراءة هي من تصنع المثقفـين.

تعيـش لنفسـك ولنفسـك فقـط

لا يمكـن لشخص عامـي أن يفكـر مجـرد التفكيـر في أمر فيـه صالح المجتمـع والناس، لذا يستحيـل أن تجد مناضلًا من العامـة، لن تجـد عامـي يستثـمر وقتـه وماله في نشـر الثقافة في المجتمـع الجاهـل.

كونـك مناضلًا قد يدفعـك لأن تلقى حتفـك، ولكنه في ذات الوقـت قد خلدك طول الدهـر والزمـن، فأنت تعيـش داخل كل طفـل، شاب، رجل، وامـرأة يولد ويتنفـس فـوق تراب الوطن، حتى وإن لم يأتـوا علـى ذكـرك.

ربمـا الآن تعلـم لما العامـة سيئـة لهذه الدرجـة، –فبحـق الله- عليـك أن تبـدأ التغييـر من الآن، ولا أعنـي أن تصبح من الحكـام أو البـارزين في المجتمـع، فقـط كن مثقفـًا، وهـذا يكفـي، أما إن كنـت من المثقفيـن، فيقـع على عاتقـك حمـل أكبـر، إذ أن هـذه البـلاد لـن تتحـرك قيـد أنملـة مـا لم تسـعَ أنـت إلى نشـر الثقافـة في المجتمـع.

و ختـام الكـلام، لا يسعـني إلا أن أقـول، ارتقـوا يرحمكـم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد