هناك من يعيش في كوريا الشمالية ولا يرى أن هناك قمعا بأي شكل من الأشكال بل ويؤمن أن كوريا في مثل حجم الدنيا بكل ما يملأ التعبير المجازي من كواكب وصخور ومدارات شمسية وبالرغم من الإمبريالية الأمريكية والمؤامرة الكونية على كوريا الشمالية فسوف يصبحون قوة عظمة أو هكذا يظنون!

لا تعلم الكثير عن كوريا؟ لست وحدك! لكني دعني أوضح لك أن السجن في كوريا الشمالية يورث بمعنى أنه لو اختارتك العناية الإلهية أثناء تنفيذ عقوبتك فابنك، أمك أو حتى أخوك  سوف يكمل المدة الباقية لك كي يعمل في مزارع الدولة مجانا وعقوبة مشاهدة القنوات الأجنبية الإعدام،دعني أؤكد لك أيضا أن هؤلاء العاشقين للنظام الكوري المقصودين هنا مؤمنون تماما وعن اقتناع بعبقرية النظام الحاكم  فهم ليسوا من هؤلاء المنافقين أو المغلوبين على أمرهم ولذلك هؤلاء المتيمون بالقمع  وضعوا علماء النفس في حيرة من أمرهم، كيف يتقبل بعض الناس هذا القمع وفي نفس الوقت تجد بعضهم رحماء طيبين وخيرين في الفعل والقول حتى أنهم يشبهون جدا كثير من الذين حولك؟ بحثت طويلا عن إجابات من مراجع علم النفس ولخصت ما وجدته في السطور التالية.

أولاً

 إن الإنسان يميل لتصديق الأوهام المبنية على منطق بسيط حتى لو خاطئ بمعنى آخر كمثال إذا قلت (في دراسة علمية نشرتها مجلة Marvels أن شرب 5 أكواب مياه على الريق صباحًا يحرق الدهون في الجسم في خلال 4 سنوات) وجد العلماء نسبة كبيرة جدا من الناس تميل بشدة لتصديق هذا الكلام لدرجة أنهم من الممكن أن يدعوا لـMarvel نفسه على خير صنيعه!

 ثانيًا

 وجدوا أيضا أن الانسان بطبيعته يخاف جدا من الخروج من المناطق الدافئة في حياته «كمثل شعورك بالاشمئزاز في عملك وتجنب تغييره خوفا أو رهبة من المجهول» عادة هذه المشاعر ليس سببها عدم القدرة ولكنه الخوف مصحوب بضغوط ليست من الواقع في شيء، نفس الكلام ينطبق على نوعية الناس المحبة للقمع، إنهم يعتقدون أن كل تغيير ثورة وخراب «عايزين يخربوها» وإن الظلم الواقع أهون من الظلم الأكبر المحتمل.

ثالثًا

الإنسان محب للتعاطف «الإنسان دعيف» كمثال «معلش أصل هوا سرق علشان يجيب دواء لأبنه المريض وكان قليل الحيلة» قد تتعاطف مع تلك الجملة وبنفس المنطق هؤلاء يحبون فكرة المستبد العادل بكل ما تحمله من تناقضات واضحة وللأسف تلك الفكرة نابعة من السلطوية الدينية والقومية، وهي فكرة الحاكم الرحيم بالفقراء القاسي على الأغنياء، الحنون على شعبه وتنين مجنح على الشعوب الأخرى وبالرغم من أن هذا الحاكم عادة قاسٍ على الجميع حتى على أدوات قمعه وفئته المقربة لكن العذر دائما أن حسناته كثيرة وكلّما دمّر فئة فهذا لحكمة وسبب من الممكن قبوله أو التغاضي عنه لأسباب أكبر وأعمق يعلمها هو بحنكته وحكمته.

مهلا، مهلا، ولكن كوريا صنعت القنبلة الذرية وقد كان حقا مشروعا بالتأكيد! إذا هل الديكتاتوريون عادة سيئين؟

قطعا لا ،لأن الديكتاتور في الأصل سياسي له أهداف واضحة لكن المشكلة تكمن في الطريقة والأسلوب المتبع للوصول للهدف حيث أثبتت تجارب كل الدول من أول هرم للفراعنة إلى هتلر أنها لا تصلح، فهتلر مثلا وصل بمعدلات البطالة في ألمانيا لصفر وبنى أكبر مدفع في العالم وتوماس سانكارا المصنف كجيفارا أفريقيا كان شيوعيا متقشفا لدرجة كان يطير على درجة اقتصادية والوزراء في حكومته كانوا يستقلون حرفيا أرخص سيارة في بوركينا فاسو من أجل التوفير، وبسبب القمع والديكتاتورية فشلوا في الأخير، ليس هم فقط بل أيضا كل النظم الديكتاتورية في العالم انتهت بفضيحة كبرى وكأن صخرة سيزيف تأبى أن تظل صامدة على الجبل ويجب أن يلاقي كل المعتقلين والمعذبين والفقراء وشهداء الحق مصيرهم المحتوم من أجل رفع تلك الصخرة العنيدة فوق الجبل كل يوم حتى يفهم الحكام أو شعوبهم بأن ليس هكذا تدار الأوطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد