«أفواه واسعة» هو عنوان رواية انبجست خلسة من ضلع الأديب المغربي الراحل محمد زفزاف. فقد جاءت مغايرة لباقي أعماله الروائية، والتي كان قد اعتاد أن يقتحم من خلالها العوالم المتوحشة للقاع وأفراده، وأن ينفذ للهامش ليطرح عبره مشاهدات وصور حية لمعاناة الطبقة المسحوقة تحت جحيم الفقر وقسوة المجتمع، وأن يصوغ هذا الواقع البئيس في قوالب إبداعية تطبعها شاعرية اللغة وقوة العبارة. غير أنه قد عمد في رواية «أفواه واسعة» إلى تقديم طرح فني مختلف لجنس الرواية، متجاوزا القوالب التقليدية للنص الأدبي الروائي كطرح سردي لأحداث الواقع، إلى إمكانية استخدام هذا النص نفسه أداة للبحث في سؤال الوجود وآليات السرد وإشكالات الكتابة.

ينطلق السرد مع صوت البطل غير الاعتيادي، والذي يعي تمامًا حقيقة كونه مجرد شخصية روائية من نسج قلم الكاتب، شخصية ذكية تسعى للانفلات من مَوْضَعَتِها وتشييئها وتحاول خلق تفاعلاتها الخاصة بعيدا عن رؤية الكاتب.

«يريد أحدهم اليوم أن يفعل بي ما يشاء، سوف أترك له الفرصة، غير أنه سوف يجد نفسه أمام بطل لن يشابه ما كان يفكر فيه».

وهنا يتهاوى البرزخ الفاصل بين الكاتب وشخصياته، وتنقلب مواقع كل منهما داخل النص، فتصير الشخصية هي نفسها السارد الممسك بتلابيب الحكي ويصير الكاتب بدوره مجرد شخصية أخرى داخل المحكي، ويفقد حينها إمكانية التحكم بمصائر الشخصية وتوجيهها ومراقبة تحركاتها وسكناتها، لدرجة أن البطل قد اشتد تمرده فحطم سجن اللغة وغادره بكل جرأة ليصطدم بحبيبة الكاتب دونما سبب، ملقيًا على مسامعها عمدًا عبارة تحرش رديئة «مانشوفوش؟».

وتوزعت الأصوات المتواترة على السرد بين صوت البطل وأمه وصوت الكاتب وحبيبته، بالإضافة لصوت فتاتين ترتادان نفس المقهى الأثير لدى الكاتب والبطل معا. وتظل هذه الأصوات مجردة من الصفات الشكلية الخارجية بما في ذلك الاسم. فحتى الشخصية الرئيسة يتم الإحالة عليها بلفظ «وليدي» على لسان الأم أو «وليدها» على لسان الكاتب. لتكون إذًا أفكار الشخصيات وهواجسها ونظرتها للأشياء هي الخيط الوحيد الفاصل بينها.

يحدث ذلك كله خارج أي إطار زمني ومكاني محدد. إذ ينقسم البعد الزمكاني الطاغي حضوره على هذا المنجز بين البعد المادي/ الواقعي الذي يتم التمثيل له بفضاء تواجد الكاتب والبعد الموازي الذي ينحدر منه بطل الرواية. فنجد البطل يعزي سبب انتقاله بين البعدين إلى رغبة الكاتب في تأليف رواية، غير أنه مقتنع بأنه عبور مؤقت ينتهي مع إنهاء الكاتب لروايته، فيقول:

«كنت في عالم ما فوجدت نفسي أشرب القهوة وأدفع ثمن الكراء ويتبعني كاتب لا أدري من اين جاء، ربما كان جاري في ذلك العالم الغيبي الذي جئت منه، ولا شك أنه عالم احسن بكثير من هذا العالم الذي أنا فيه […] المهم أنني جئت من عالم آخر لكي أعيش في هذا العالم، وأحيانا أشعر كما لو أنني في فسحة، لكن مع أناس لا أعرفهم ولذلك أشعر بالوحدة في بعض الأوقات. وأتساءل مع نفسي: ماذا أفعل في هذا العالم؟ فأجد الجواب سريعا: الذي جاء بنا سوف يعيدنا إلى المحطة التي جئنا منها».

لقد حاول زفزاف من خلال التنقل في بين موقعي الكاتب والبطل أن يعبر للمستويات النفسية التي قد تحملها شخصية روائية إذا ما حلت بها لعنة الوعي بماهية وجودها، وهو لا يتوقف عند هذا الحد من الإرباك، بل يستخدم البطل نفسه للعبور إلى مستويات نفسية أكثر عمقا وغرابة، ومنها أَنْسَنَة صرصار داسه البطل أثناء حديثه وصياغة حوار تخييلي بينهما:

«لو كان الصرصار يتكلم لقال لي قبل لحظة: لماذا دستني؟ […] كنت سأقول له معك حق أنا أعتذر، إلا أن منظرك قبيح. وكان سيقول لي: أنظر إلى الشارع، كم من الوجوه القبيحة والشريرة ترى كل يوم فلم لا تسحقها؟».

وهو ما يمكن أن يحيلنا على العلاقة بين الكاتب والبطل، والتي تتم إعادة صياغتها بشكل غير مباشر بين البطل والصرصار، إنها دينامية إنتاجية لا متناهية تحكمها قوة خارجية قهرية وتغيب عنها الإرادة وعامل القصدية في نوع من التمرئي الذي يجمع بين البطل وكاتبه. فالكاتب لا يملك مبررًا واضحًا يفسر سبب اقتحامه لحياة البطل ومحاولة إنطاقه بما لا يود الإفصاح عنه، تمامًا مثلما لا يملك البطل جوابًا محددًا عن سبب سحقه للصرصار.

«سوف أجرب مع الكاتب، وأرى كيف بإمكانه أن يغتصب عوالم كائنات بشرية، جاءت إلى هذا العالم بغير إرادتها مثلما جاء هو نفسه».

هو أيضًا يخوض في طرح أسئلة وجودية وميتافيزيقية تشغل فكر الكاتب والبطل على حد سواء، ليطرح عبرها تصوراته حول ماهية الوجود والموجودات والظواهر المادية، مع التركيز أكثر على التأمل في المفاهيم الماورائية منطلقًا من أيديولوجيات وخلفيات فلسفية متنوعة.

فالبطل وبالرغم من أنه لا يكف عن التساؤل حول الغرض من الوجود الإنساني المقترن بسلطة عليا يغيب معها شرط الإرادة والرغبة في التواجد، ويطغى عليها طابع العبثية واللامعنى:

«هل من المعقول أن أوجد في حياة لا أرغب في أن أوجد فيها؟ وهل من المعقول أن أعيش فقيرا ومظلوما ومريضا، ومتألما […] ما دمت قد وجدت هنا في هذه الدنيا، فما يسمى لا معقولا يصبح هو المعقول».

إلا أنه يهتم أكثر بالتصورات الماورائية لما بعد الحياة، ويذهب إلى أن الموت والاحتمالات المرتبطة به تظل هي العامل الوحيد المحدد للمصير الإنساني والمجيب عن الأسئلة المؤرقة للكيان البشري.

«وإلا فلنرحل جميعًا إلى دار البقاء، إذا كانت ستبقى حقًا، أو هي باقية بالفعل».

«إن ما يهم هو ما الذي سيحصل لحظة الوصول إلى هناك، إلى الأعالي، كل واحد لا يعرف ما الذي سوف يحصل. والناس لا يعرفون حتى ما هو حاصل هنا، بله الذي سوف يقع هناك».

كما أنه يطرح تصورًا أنطولوجيًا خاصًا يذهب فيه نحو أحادية الوجود، ويعبر في غير ما مرة على لسان البطل بوجود الله ككائن واحد فوقي، أزلي سرمدي، كلي الوجود والمعرفة، ومنه تكون الحقيقة واحدة، وتكون كل أشكال الواقع والموجودات والظواهر المادية تمثلًا له، هي ظله على الأرض ولا يتحدد وجودها إلا من خلاله فتتجلى فيها الصفات الإلهية وتستمد من هذه الصفات خاصية الأبدية والخلود. وهو الطرح الذي ينسجم مع بعض التصورات الصوفية لدى الحلاج وابن عربي الذاهبين إلى وحدة الوجود.

«كيف أقول لوالدتي بأن الأرواح لا تموت وإنها خالدة وإنها من روح الله الذي لا يموت، وبما أن الروح هي من روح الله فكيف يمكن للروح أن تعذب نفسها؟».

إلى جانب إشارات صوفية أخرى أشد وضوحًا، كإشارة بطل الرواية لومضات من حياة العالم الصوفي عبد السلام بن مشيش، ورفضه الممارسات الدينية المتصلبة التي يكرسها مجتمع تحكمه الأعراف والتقاليد البالية الهشة. إنه ليس رفضا لفكرة الدين أو الإيمان بالله، بل رفض للتصور الجمعي السائد نحو هذه الفكرة، وهذا ما يوضحه المونولوج الذي تلا حوارًا جمع بين البطل وأمه:

«_ إني أصلي بطريقتي الخاصة.

_ وهل هناك طريقة خاصة؟ أنا لم أرك أبدا تصلي مثل المسلمين.

_ هناك أناس في الأرض يصلون بطريقة خاصة.

_ أعوذ بالله يا وليدي، أولئك هم المجوس، ومأواهم جهنم، إسأل عن ذلك الفقيه الفرتلي، فأنا أذهب كل جمعة للاستماع إلى خطبته.

_ إن الفقيه الفرتلي مجرد حشاش […]

لكن والدتي لا يمكنها أن تفهم هذه الأشياء. شيئان اثنان يشغلان بالها هما الجنة والنار، ولكن من يضمن لأحدنا الجنة أو النار […] وللأسف فإن والدتي لا تحب التفرج على التلفزيون كثيرًا، فعندما يرى الإنسان تلك الجبال وتلك البحار وتلك الصحارى وتلك الأسماك التي تأكل بعضها، وتلك الحيوانات التي تفترس حيوانات أخرى ويرى أناسًا داخل الدبابات أو الطائرات وهي تلقي بالنيران لقتل أناس آخرين فلن يسعه إلا أن يقول: «يا سبحان الله! إنه لعلى كل شيء قدير» وبطبيعة الحال، فوالدتي لا تشاهد التلفزيون إلا لمامًا، ولكنها تذهب إلى المسجد، لسماع خطبة لا تفهمها ولا يفهمها حتى الإمام الذي قرأها لأنه لم يحضرها».

إن زفزاف وهو يكسر قواعد اللعبة الأدبية ليقحم القارئ في لغزه الفكري البالغ التعقيد، لا يفوته أن يعرج على التنظير للكتابة وطرح سؤال الجدوى من خلال ثنائية الكتابة والمعرفة (يدل على ذلك الحقل الدلالي الخصب بالألفاظ المنتمية لمجالي الكتابة والمعرفة) فنجده يجعل إحداهما رديفة للأخرى وشرطًا أساسيًا لتحققها. ونجده ينفذ للنص من خلال صوت الكاتب المشغول بقلق الإبداع وسؤال الكتابة، فقد ظل يتأرجح بين تلبية طلب حبيبته بكتابة رواية بغرض الشهرة وإن كانت عن قصة حبهما أو عن مشهد عشوائي لتحرش أحدهم بامرأة حالمة تقف أمام البحر، وبين رغبته في خلق نص إبداعي يتجاوز إثبات الذات أو الخلود إلى بث شيء من التغيير في سلوك الناس خارج شبح الرقابة والتوجس،

«أنا لست كاتبا، ولم أحلم بأن أكونه ذات يوم. إنني أعرف كثيرا من الناس يحلمون بأن يكونوا كتابا أو رسامين أو مغنيين أو ممثلين أو فاضحي عوراتهم حتى يقال بأنهم موجودون وأنهم أنجزوا شيئًا في هذه الحياة […] ولهذا لم أفكر في الكتابة ذات يوم، لا من أجل إثبات الذات ولا من أجل الخلود».

«كيف يمكن للإنسان أن يكتب وهو دائمًا حذر، قلق، خائف حتى من ظله».

وهو بذلك يضعنا أمام تصور خاص لفعل الكتابة تتحدد جدوى هذه الأخيرة فيه من خلال القيمة المعرفية التي تحملها الإنتاجات المكتوبة، بعيدا عن جانبها التفكيكي والنسقي كما ينظر لها كل من «جاك دريدا» أو «ميشيل فوكو». وهو ما يوحي بخطورة فعل الكتابة بوصفها خطابًا فكريًا يتجاوز الصيغ الاستهلاكية للإبداعات الأدبية المعرفية فيصبح معها فعل الكتابة قناة لإنتاج القيم ومادة فكرية في حد ذاتها.

«ويمكن للكاتب أن يؤكد لكم ذلك، فلا شك أنه يتتبع ما يجري وما جرى فوق الأرض، وإذا لم يكم يعرف ذلك فلا داعي للكتابة».

إلى جانب ذلك يبث زفزاف على طول الرواية تصوراته حول مفهوم المعرفة وإمكانية امتلاكها، وينزح للاعتقاد بقصر المعرفة البشرية والتي لا يمكن مقارنتها بالمعرفة الإلهية المطلقة. فالبطل يجزم مرارًا أن الكاتب يعلم بالكثير من الأمور والخابايا المتعلقة بالبطل نفسه من جهة وبمجموع المعارف التي يمكن مراكمتها عبر الإطلاع على مختلف الحقول المعرفية والفلسفية والتاريخية من جهة ثانية، غير أنه يعترف بمحدودية علم هذا الأخير، ويعيدنا مرة أخرى إلى التصور الصوفي الذاهب إلى اعتبار الله أصل المعرفة ومنه تكون صفة العلم المطلق والمعرفة الكلية خاصيتين إلهيتين تتجاوزان العلم البشري وتسموان عنه.

«إن الكاتب يعرف بأن لدي صراصير في المطبخ، وهو وحده يعرف لماذا لم أستطع قتلها».

«ذلك أمر لا يعلمه إلا الله والكاتب، وطبعا فإن علم الله فوق علم الكاتب».

«إن الله (كان) حاضرًا، لكن أبناء الثلاثة آلاف سنة أرادوا أن يحتكروه لأنفسهم، ونسوا أن أبناء آسيا قبل 3 آلاف سنة كانوا يتقربون منه بوسائلهم الخاصة، التي لا يعرفها إلا هو لأنه أصل المعرفة».

وبالرغم من أن زفزاف في هذا المنجز النصي يخوض غمار تجربة إبداعية منفردة على مستوى الشكل والموضوع محاولًا العبور من فعل الكتابة إلى فعل التفكير فيها، غير أنه يظل مسكونا بقلق الهامش منحازًا لعوالمه القاسية، فقد استطاع إلى جانب معالجة سؤال الكتابة أن يطرح كذلك قضايا اجتماعية وسياسية بالغة الأهمية، يظهر ذلك من خلال وسط عيش البطل العاطل عن العمل والذي تعرض للاعتقال بسبب آرائه السياسية، وكذا من خلال تجربة الفتاة القاسية مع المرض بعدما ألقي بها على قطعة حديد بأرض مستشفى عمومي دون أكل أو غطاء، بالإضافة إلى نبده التصنيفات الجاهزة للمبدع والمكانة الاعتبارية للمثقف في المجتمعات التقليدية، وهو ما يعكس رؤيته لواقع طبقات اجتماعية واسعة بعين فاحصة تنظر للأشخاص والأشياء والأحداث بدقة ووعي كبيرين.

بهذا يمكن القول إن رواية «أفواه واسعة» لمحمد زفزاف منجز مركز سريع الإيقاع وشديد التكثيف، وهنا تكمن أهميتها في تحفيز ذهن القارئ وإقحامه في متاهات وألاعيب لغوية وفكرية غاية في التعقيد والإمتاع على حد سواء، كما أن مخاطبته للقارئ بشكل مباشر في مواقع مختلفة من النص مستخدمًا ضمير المخاطب للجمع (أنتم) قد أدت إلى خلق علاقة اندماجية قائمة على التفاعل بين الأنا الساردة والمتلقي، وهي مغامرة فكرية لا ينجح فيها إلا كاتب مبدع من طينة زفزاف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفواه, الكاتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد