اختلفت تشريعات المواريث على مر الزمن بين شعوب العالم فمنهم من تبنى ثقافات من البيئة حسب متطلباتها ومنهم من اتبع شرائع دينية كما حدث في اليهودية والمسيحية والإسلام. وعلى غير الشائع ان الرسالات السابقة لم تتعرض لتفاصيل أحكام الميراث كما حدث في الإسلام لكن الحقيقة أنها فعلت، ففي التوراة أو كما يطلق عليها «أسفار العهد القديم» في الديانة المسيحية شرح لقواعد تنظيم المواريث ارتبط إلى حد كبير بمتطلبات الزمن الذي شرع فيه.

ولم ينفرد الإسلام وحده بتشريع توريث أحد الأبناء ضعف بعض الإخوة إذ جاء في التوراة تشريع توريث الابن الأكبر ضعف إخوته الذكور على أن تحجب تركة الأب تمامًا عن الإناث وهو ما سمي بالنظام «الأبوي».

وكما كان القول بأن الإسلام وحده هو الدين الذي تعرض لتشريع أحكام الميراث بصورة مفصلة قولًا غير دقيق إذ تعرضت ثقافات وديانات أخرى لتلك التفصيلات فإن القول بأن القرآن قد تعرض لأحكام الميراث بصورة شاملة أيضًا قول غير صحيح فعلى سبيل المثال لا الحصر قد أشار القرآن إلى ميراث الابنة الوحيدة ولها النصف كما أشار إلى ميراث البنات فوق اثنتين ولهن الثلثين إن لم يكن لهن إخوة من الذكور ولكنه لم يشر إذا كانتا اثنتين من الإناث وقد اجتهد أئمة الفقه في تحديد نصيبهن من الإرث. كذلك منعوا أن يرث الكافر تركة المسلم وأجاز بعضهم أن يرث المسلم تركة الكافر ولم يجز البعض ولا أعرف ما مصير نصيب الكافر من التركة حال عدم إجازة أن يرثه المسلم وما الحال إذا كفر المسلم الوارث بعد القسمة أو أسلم الكافر بعد حجبه عن القسمة. كذلك قاموا باجتهاد مستحدث يعمل به اليوم في مصر والأردن وسوريا لم يذكر القرآن عنه شيئًا واتخذوا من أنفسهم ولاة أمر وقاموا بدور الوصي فقاموا بإدراج أبناء الابن المتوفى عن أبيه في ميراث الجد وعلى العكس لم يدرجوا أبناء الابنة المتوفاة عن أبيها في ميراث جدهم وهذا اجتهاد مطلق لم يتعرض له النص القرآني وتفرقة لم يقرها الإسلام الذي لم ينكر ميراث الإناث في التشريع.

وقد حفظ التابعون اصطلاحات غير قابلة للجدل كالقول بأنه «لا وصية لوارث» في حين أنه لا يجب أن يكون هناك وارث من الأساس إذا ما وجدت وصية وهو ما تؤكد عليه الآية (180) من سورة البقرة إذ يقول تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين». وقد شاعت هذه القاعدة (لا وصية لوارث) نقلا عن حديث للنبي «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» فبغض النظر عن لغة الحديث الذي أشك أنه جاء على لسان النبي أو أنه حديث مقتضب غير واضح أي تفاصيل عن مناسبته إلا أني لا أعرف كيف يمكن «لعالم فقه» أن يقول بنسخ آية من القرآن عوضًا عن الشك في صحة حديث. أوليس القاعدة أنه إذا خالف الحديث آيات النص القرآني فالأولى الأخذ بالنص.

وبعيدًا عن جدل الناسخ والمنسوخ في آيات القرآن الذي يحتاج إلى حديث آخر.. لا أفهم القول بأن الآية (180) من سورة البقرة قد نسختها آيات المواريث في سورة النساء، فلو تأملنا سياق الآيات في سورة البقرة نجد أن الآية المتعلقة بالوصية تتوسط الآيتين (178) و(183) فيقول تعالى في الآية (178): «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ».

وتليها الآية (180) من سورة البقرة والمدعى عليها بالنسخ فيقول تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ».

ومن بعدها الآية (183) فيقول تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».

ولا أعرف كيف يمكن لمتدبر أن يدعي بنسخ آية «الوصية» فالأصل في الشريعة هو «القصاص» والأصل هو «الوصية» كما أن الأصل هو «الصيام» وعلى ذلك لا يستقيم المعنى لمصطلح «لا وصية لوارث» لأن الله تعالى يوصي في الآية (180) من سورة البقرة بالوالدين وهما من الوارثين كما جاء في سورة النساء أو يثبت أنه لا وارث إلا ما نصت عليه الوصية وأن الأصل أن تشمل الوصية المال كله لا ثلثه كما هو شائع بل أجدها تؤكد على ما تم فهمه من صريح النص في سورة النساء بصورة أكثر وضوحًا ولا تتعارض معها على الإطلاق وهو أن الوصية أولى بالاعتبار ولا أجد من داع من الادعاء بالنسخ.

ويقول تعالى في سورة المائدة أيضا الآية (106) «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ». ففيها دلالة واضحة على وجوب الوصية لكن لا يبدو أن الآية (180) من سورة البقرة وحدها التي لم تسلم من الاعتداء والادعاء عليها بالنسخ إذ تعرضت الآية (106) من سورة المائدة لنفس الادعاء لمجرد ترجيح حديث «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث». ولا أعرف ماذا عن حديث رسول الله  «إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار». أوليس الحديث فيه دلالة على حق المسلم في التصرف في أمواله وإلا فما وجه الضير إذا كانت التركة مقسمة سلفًا  بنصوص قرآنية؟ إن الأهداف المرتجاة من الأحاديث هو توضيح أحكام التشريع في القرآن وليس تعديلها أو الادعاء بنسخ الآيات لترجيح الأحاديث.

وعن مصطلح أن «الوصية لا تجوز إلا في الثلث» فيما لم يذكر ذلك مطلقًا في آيات المواريث الواضحة التي تعرضت بدقة لقيم الثلثين والنصف والثلث والربع والسدس والثمن في مواضع كثيرة ولو كانت الوصية تتطلب تحديد قيمة بعينها كما ادعوا لما أغفلها النص. وقد بحثت عن أصل هذا القول فلم أجد أي سند يقول به سوى رواية عن «سعد بن أبي وقّاص» عندما أراد ان يوصي بماله كله أو شطره لأعمال الخير فنهاه النبي «صلى الله عليه وسلم» وقال له «الثلث والثلث كثير» والرواية لها أبعاد أخرى إذ أن الصحابي كانت له ابنة فقال له رسول الله (ص) «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» ويقول تعالى تأكيدًا على هذا المعنى في سورة البقرة الآية 180 «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ». فالأصل في الوصية هو الحث على عدم تجاوز الأهل والأقربين فلو كان الاستفسار في أن يوصي بالمال لأهله ربما لما كان في الأمر من شيء.

على أي حال أظن أن تعميم الحكم بسند هذه الرواية على أمة المسلمين أمر جانبه الكثير من عدم التوفيق بل لا أتخيل أن يكون التحكم في مصائر الخلائق بهذا القدر من السهولة، فآيات القرآن واضحة بهذا الصدد ولم تنكر على المسلم حق التصرف في ماله بالكامل عن طريق الوصية حال وفاته والأولى بالقول إنه إن لم تكن الوصية معتبرة في الإسلام لما تجرأ «سعد بن أبي وقّاص» وطلب مشورة من النبي إلا أنه رأى مما تعلم من القرآن أن الآيات كفلت له حق التصرف في ماله وأن طلبه المشورة لا ينفي عنه هذا الحق الذي كفله النص وأن ما شرعه النص في سورة النساء من أحكام تفصيلية ملزم فقط حال عدم وجود وصية لعدم رغبة أو موت فجأة.

وقد علمنا أئمة التفسير أهمية الترتيب في آيات الكتاب الحكيم عندما استبق السارق كونه ذكرًا السارقة كونها أنثى أو عندما استبقت الزانية كونها أنثى الزاني كونه ذكرًا وشرحوا باستفاضة أهمية القصد من الترتيب لكنهم قد أغفلوا ما جاء في آيات المواريث في سورة النساء التي تستبق الوصية في كل موضع «الدين» بل وكل تشريعات الميراث في قوله تعالى المكرر بعد كل آية من آيات المواريث «من بعد وصية يوصي بها أو دين» في حين أولوا «الدين» الأهمية القصوى، وكفل المشرع لنفسه الحق في التصرف في ثلث المال والإحلال محل صاحب المال فيما أطلقوا عليه «الوصية الواجبة» في حين منعوا صاحب المال من حق التصرف في ماله.

وهناك نموذجان في التشريع للمواريث أود الحديث عنهما اتخذوا منحى آخر ينظمه القانون متجاوزًا الثقافة السائدة والدين أحدهما من منطلق إرساء مبدأ الحريات والآخر من منطلق إرساء مبدأ المساواة وسوف أتناولهما فيما يلي:

النموذج الأول الذي أود الحديث عنه هو الولايات المتحدة الأمريكية التي أقرت بقوامة الفرد على ماله وحق التصرف فيما يمتلكه بالكامل كما يشاء وقامت بإضافة مستند رسمي في المعاملات البنكية وكل ما يتعلق بالملكية الخاصة ينص فيها الشخص على المنتفعين الذين يقرهم باختياره المطلق حال وفاته والتي تعتبر بمثابة الوصية في الإسلام بصورة موثقة ومنظمة.

أما النموذج الآخر فتحاول فيه الدولة التدخل في تشريع قانون مدني ينظم أحكام الميراث غافلة حق الفرد في التصرف في ماله تماما حال وفاته. فمنذ سنة تقريبًا أعلن الرئيس التونسي «الباجي قائد السبسي» أنه يخطط لمشروع قانون يساوي في الميراث بين الذكر والأنثى وبالفعل قد أحال اقتراح القانون إلى جانب حزمة من اقتراحات قوانين أخرى إلى البرلمان التونسي في أغسطس (آب) ٢٠١٨ وألقى الرئيس خطابًا في الثالث عشر من الشهر نفسه المصادف لليوم الوطني للمرأة التونسية قال فيه: «نحن دولة مدنية والقول بأن مرجعية الدولة التونسية مرجعية دينية خطأ وخطأ فاحش». وبالطبع كان هذا التصريح كفيلاً بإثارة الأوساط الدينية وهو ما اعتبرته تعديًا على سلطاتها.

وبالرغم من أن تونس تسير بخطى جادة في السعي إلى إقرار الديمقراطية وتحرير المجتمع من السلطة الدينية والتحول إلى المدنية إلا أنني أرى اقتراح قانون ينظم المواريث يتنافى مع مبدأ الحريات التي تعمل تونس على إرسائها فقد أنكرت على الفرد قوامته على ماله وقامت بالنيابة عنه بدور الوصي الذي يقوم بعملية تقسيم التركة بمعرفته ولا أعرف ما مصير الزوجة من هذا القانون؟ أو الحال إن كان المتوفى لم يرزق بأبناء؟ أو غير ذلك من التفاصيل الكثيرة التي اتخذت الدولة على كاهلها التورط فيها؟

لنتفق أولًا أن المساواة بين الرجل والمرأة لا علاقة لها بسلب حق الفرد في التصرف في تركته حال وفاته ولكنها بإقرار حق الأفراد جميعًا التصرف في أموالهم حال الوفاة كما يشاؤون وهو ما لم ينكره النص القرآني في الإسلام وأشار إليه حديث الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار»، فلا أرى من داع أن يضطر المسلم للتحايل والالتفاف حول النص في آيات سورة النساء والقيام بوهب أموال أو عمليات بيع وشراء صورية لتعيين المنتفعين بتركته فقد أجاز له المشرع هذا الالتفاف بالفعل ما أجده بمثابة الوصية.

ونتفق ثانيًا أن كل حالة هي فريدة من نوعها تتطلب نظرة فاحصة من أصحاب الشأن أكثر من قانون موحد مطلق لا يقيم أي اعتبارات لأي حالات خاصة ويفتح المجال لتدخل عنصر بشري بالاجتهاد فيما لا يعنيه أو يعلمه بمنح أو منع.

ثم نعترف ثالثًا أن الالتزام الصارم بآيات الميراث دون اعتبار الوصية التي أولتها آيات القرآن المرتبة الأولى في أحكام التشريع أدى إلى تعقيدات هائلة تمتد عبر تاريخ أجيال وأجيال قد تشابك الإرث بينهم بصورة مربكة للغاية.

إن المؤسسات الدينية لا زالت تتعامل مع الفرد المسلم على أنه فاقد أهلية كما تعلم أن المجتمع لا زال يتمسك بالأفكار القبلية فتخشى مغبة ظلمه في تفضيل الأبناء الذكور على الإناث لو ترك له حق التصرف، وهو ما أعتبره السبب الوحيد من وجهة نظري الشخصية في الإصرار على إغفال قيمة الوصية وإعلاء القسمة الواردة في سورة النساء، لكني لا أرى أن يكون العلاج بالسيطرة على المجتمع وتوجيهه بقبضة الفقهاء ولكن برفع الوعي بين المسلمين والتوصية بالأهل والأقربين الذين قد يتسبب تجاوزهم في الميراث ضير لهم لكن ذلك لا ينفي أن يكون الحق الأصيل لصاحب المال يوصي به كما يشاء إن أراد وصي به أو تركه ليخضع لما قد شرعته آيات المواريث في سورة النساء أو القانون المدني للدولة في حالة غير المسلمين.

وأخيرًا لا أود أن تتدخل الدولة في تقسيم أموال الأفراد كما تسعى تونس أن تفعل فإعادة توزيع الأنصبة لا يغير شيئًا من حقيقة سلب حق الفرد في التصرف في ماله وعلى ذلك فالإجابة ليست تونس بالتأكيد.. ولا أجد منطقًا أيضًا في إنكار الوصية لصاحب المال وجواز إقرار هذا الحق للمشرع في مقدار الثلث كوصية واجبة، كما اجتهد أئمة الفقه حديثا في مصر وسوريا والأردن بالمنح أو المنع كما سبق أن أوضحت. فالأولى بهذا الحق هو صاحب المال الذي جعل الله له عليه قيامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد