أثناء الدفاع عن النفس مع نفاذ كافة السبل للمهاجمة يلجأ الإنسان إلى الصراخ، حيث الصراخ بقوة على اعتبار أنها آخر الأسلحة التي يمتلكها، وهذا طبقا لثقافة الشامانية القديمة، وذلك حينما تنفد الحيل، ولا يبقى سوى اليدين والقدمين والعقل والقلب، فهما المحركان للإنسان في تلك اللحظة الفارقة التي يكون بعدها إما منتصر أو منهزم وفي الطبيعة يصح القول أيضا، إما حي أو ميت.

 

الوجود والعدم والحياة والموت والثبات والحق والعدالة والحب والقوة، معاني تتجلى في في حياتنا اليومية، ونستخدمهم بتباين ملحوظ وحذر أيضا، حتى لا ننجرف في خطيئة السقوط، مع هذا تأتي لحظات نفقد بها السيطرة ولا يبقى سوى الحقيقة، وهو ما ينقله فيلم Wild Tales الأرجنتيني؛ حيث حقائق مجردة لحيوات طبيعية تتحول تدريجيا إلى انفعالات تصاعدية تؤدي بالنهاية بصاحبها إما إلى الهلاك أو الشفاء، كما هي الطبيعة والطقوس الكونية الأولى التي كان يلجأ لها الإنسان ليشفى في النهاية أو يهلك من شدة الآلم وصعوبة الاحتمال.

 

من الصعب الكتابة عن عمل تناول لمدة تقارب الساعتين أغلب المعاني والانفعالات الموجودة بالإنسان، حيث هذا البشري المعقد الذي لا نتوقع منه ما يفعله، يتحرك بجموح بالغ وكأن العمل يقول للمشاهد: يمكن لك أن ترى ذاتك في الموقف نفسه إذا تماديت أو رغبت في تحقيق العدالة كما تريد أن تراها.

العودة للاساسيات

ثنائيات

ستة قصص تجتاح عقل ووجدان المشاهد خلال الساعتين، لتقدم بها الضحية والجاني أو القوي والضعيف أو الغالب والمغلوب وكذلك الظالم والمنتقم، المهم أن هناك طرفين، ويتجلى التجسيد في نماذج متباينة ومختلفة، ليدهشك العمل في كل مرة ويحقق ما تفشل به أفلام عدة وهو كسر آفاق التوقع.

 

يقدم المخرج والمؤلف Damián Szifron سردا طبيعيا لقصص غير طبيعية، حيث يستخدم ما يقارب الربع ساعة لعرض كل قصة، بأحداث مكثفة تزيد من تشوق المشاهد للمزيد، ويستهل العمل مع شخص لا يظهر، ولكننا نستطيع أن نتخيل مدى القبح والبأس الذي يبتلعه حينما يستقل طائرة للانتقام من والده ووالدته وكل من كانوا بحياته وحتى من نفسه عن طريق تفجير الطائرة بالهبوط على منزل أسرته الصغيرة، حيث أنها بداية موقفة يمهد بها المخرج للمشاهد بما تنتظره العين.

 

السرد

تعامل Damián Szifron على أنه فيلم قصير، حيث اتبع تقنيات الأفلام القصيرة في الاختزال والتكثيف والوضوح مع إضفاء قدر من الغموض والمفاجأة في أغلب الأحيان، فَعلَا عن الاعتماد على فطنة المشاهد في أن لكل بداية نهاية حتمية، لاسيما إن كان أبطال القصص واضحين، نظرا لأنهم من يحتلون القصة وحدهم، كما حدث في القصة الثانية والثالثة، حيث الاعتماد على عدد قليل من الشخصيات في الموقف مما يسهل على المخرج قيادة المشاهد والقصص.

 

تضافر

كما انعكس الأمر أيضا على الأماكن التي تتحرك عين المشاهد بفلكها، حيث هناك أماكن معينة تدور بها كل قصة، وفي الأغلب لا تتجاوز المكانين ودائما ما تنفذ النهاية في مكان بداية القصة، فيما ترتبط الأماكن بالانفعالات، وربما تكون دافعا في تحريك الحدث، نظرا لما تحمله من دلالة حيث ارتبط الطائرة بالقصة الأولى والمطعم بالثانية والطريق بالثالثة ومكتب دفع الغرامات بالرابعة والمنزل الفاره بالخامسة فيما قاعة الفرح بالسادسة والأخيرة.

 

الاعتماد على التقنية التجسيدية في الحبكة بالقصص المنفصلة لم يربك المشاهد بل كان هناك اتفاق ضمني عقده المخرج مع مشاهده بأن ما نراه قصص قصيرة منفصلة الأحداث ولكنها تمثل شئ واحد وهو الإنسان بانفعالاته وما يحمله من أفكار جامحة في بعض الأحيان تجعله يكتشف في نفسه الكثير، ومن الممكن أن تودي به إلى فوهة البركان وأحيانا تنقل للجنة مجنحا طائرا.

 

كما أن العمل اعتمد المونتاج القاطع في نهاية قصصه الستة، وفي كل مرة يمهد للمشاهد بقصة جديدة تبدأ لتستعد لقدر من الجموح الإنساني، لهذا لم يشعر المشاهد بالملل للحظة، بل إنها أحداث متعاقبة تستغل فطنة المشاهد ومرونة الأحداث، لهذا ظل إيقاع القيلم متوازن ومشدود طوال العمل، لاسيما مع اعتماد صيغة المفاجأة الصادمة في النهايات، واشترك المخرج مع المونتير Pablo Barbieri Carrera.

 

لعبت الموسيقى للمؤلف الموسيقى Gustavo Santaolalla دورا هاما في تكوين تيمات خاصة بكل قصة على حدة، فهناك الهادئة التي تسبق العاصفة وأخرى الصاخبة التي تشير إلى الغليان وارتفاع مؤشر الغضب وإنطلاق العنان بلا حدود، مع هذا مثلت الموسيقى عاملا هاما في ضبط إيقاع العمل وتكوين ترابط جيد وموظف لخدمة القصص الستة.

 

التخفي وراء قناع الإنسان

لا تختلف مقدمة العمل عن ما يقدمه، حيث استهل المخرج مقدمة فيلم بصورة لحيوانات في حالة التأهب إما للمواجهة أو الهروب أو الاستسلام وكلها معاني وتصرفات موجودة في الطبيعة الحيوانية التي لا تختلف كثيرا عن أصل الإنسان الذي يلجأ إلى تلك الطبيعية الأولية حال شعوره بالضياع أو اليأس، فجميعا لنا سقف للتحمل من بعده ينفرط العقد ويصعب ضبط اللجام، للنطلق إلى الجموح وهو أصل الفيلم وجوهر معناه.

 

تصوير العمل يأتي على ذات وتيرة العناصر الأخرى، حيث تصوير متوازن يعتمد على لقطات منوعة بما يخدم القصص، وتختلف من قصة لقصة عين الراوي الذي يرى الأحداث، هناك رواة من داخل القصة وقصص أخرى تعتمد على راوي بصري من خارجها، وهذا التنوع يمتع البصر أكثر بعدد كبير من المشاهد مختلفة المعاني، ويوظف المصور Javier Julia تلك الأساليب بصورة احترافية تعكس وعيه بما يخدم القصة.

 

فيلم Wild Tales  من الأفلام التي تضافرت عناصرها حتى يقدم تحفة فنية في النهاية، حيث جاء التمثيل به تقمصي يعتمد على العفوية الصادمة أحيانا، لتفكر هل نحن بهذه الجرأة رغم عدم وضوح هذا، امتاز جميع الممثلين في تقديم نماذج شخصيات حيوية مليئة بالحركة والعنفوان، وهو ما يفسر حصاد عدد من الممثلين عدد من الجوائز المميز في عدد من مهرجان أمريكا اللاتينية، وترشحه لجائرة أفضل فيلم أجنبي بعدد من المهرجانات في مقدمتها أوسكار 2015.

 

اعتماد الفيلم على أن يكون المخرج والمؤلف شخص واضح خدم الفكرة في هذا العمل، حيث اتصقت أفكار المؤلف التي اراد أن تتحول من مجرد شخصيات على ورق إلى أن تكون أحداثا مجسدة حية وواقعية،  وتنقل العمل إلى مستوى آخر من الإبداع وخلق قنوات للتلاقي مع المشاهد، لاسيما أن هناك اعتماد الحقائق الصادمة، التي تجعل المشاهد في مواجهة مع الذات، وهو المبرر في انتهاج الأسلوب الكوميدي في القصص، فرغم الصراع الواضح بها، ولكن الكوميديا السوداء هي الأولى بالبروز في تلك الحالة، حيث لا جدوي من البكاء بعد الصراخ.

 

أغلب القصص التي نشاهدها في Wild Tales  تعتمد على مبدأ المواجهة والحقيقية والمكاشفة والتعادل، فهناك قصص اعتمدت على الهجوم مثل الشاب الذي انتقم باستقالة الطائرة لتفجيرها.

 

والثانية التي قتلت بالنيابة لتعود إلى عالم السجن الذي تجده أفضل من العالم الخارجي الوحشي.

 

والثالث الذي ينتقم لأنه انساق إلى تلك المرحلة رغم محاولاته بالتخفي والتقوقع كما يدافع بعض الحيوانات.

 

و الرابع الذي يقرر الانتقام باستخدام أدواته ومهاراته، أو الخامس الذي يواجه مصير محتوم لتحقيق العدالة بعد الكذب.

 

أو الأخيرة التي تقرر التعادل مع زوجها الخائن والذي تكتشف خيانته في ليلة زفافها، جميعهم نماذج لشخصيات موجودة بصورة أو بأخرى بيننا، ويجوز أن تكون أنت أحد تلك الشخصيات التي تشاهدها على الشاشة، وهوما يكسب الفيلم قيمة فوق قيمته .. وهي مخاطبة الإنسانية عن طريق لغة السينما التي لا تكذب.

العودة للاساسيات

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد