مدار الاختلاف بين البشر

لا خلاف على أن البشر اهتماماتهم مختلفة أشدّ الاختلاف، ومتعددة تعددًا بالغًا، بناءً على اختلاف ظروفهم وبيئاتهم وعقلياتهم وشخصياتهم، فما يهتم به الإنسان هو ما يعتقده وسيلةً تمكنه من تحقيق ما يبحث عنه، فكل منا له وسائله الخاصة التي يعتقد أنها ستمكنه من بلوغ ما يصبو إليه، لأن تحديد تلك الوسائل يعود عن كل إنسان إلى أسلوبه الخاص، وفهمه الخاص، وظروفه وإمكاناته الخاصة ومعطيات الواقع الذي يحيط به. وهذه جزء من أسباب هذا التنوع بين البشر في اهتماماتهم، والجزء الآخر يعود إلى الاختلاف بين الناس في تحديد ذلك الذي يبحثون عن تحقيقه أصلًا في نفسه، (فهناك مثلًا  من يبحث عن المتعة، وهناك من يبحث عن الشهرة، وهناك من يبحث عن المال، وهناك من يبحث عن الكمال، وهناك من يبحث عن الحقيقة) (1). وهناك من يبحث عن غير ذلك وإنما أردت التمثيل لا الاستيعاب والحصر.

الإرادة هي أصل التفكير

ومن هذا يتبين أن هذا الاختلاف والتباين في الاهتمامات يُحمَل في سياق واحد، ويسير على نسق واحد بالنسبة إلى كل البشر، وهو كون الاهتمام تابع للإرادة. حيث يكون ما يهتم به الإنسان هو ما يريده، سواء كوسيلة لتحقيق شيء ما، أو كغاية في ذاته. وهو ما يعني كون الإرادة هي مبدأ التفكير وأصله، وامتداد ذلك يجعلها المحرك الرئيس للسلوك.

وهذا هو ما أشار إليه برتراند راسل في مفتتح خطابه لتسلم جائزة نوبل  في الآداب في عام 1950: (كل نشاط إنسانيّ مسبِّبه هو الرغبة) .. (يختلف الإنسان عن باقي الكائنات باعتبار مهم جدًا، ألا وهو أن له بعض الرغبات، اللانهائية، التي لا يمكن أبدًا إشباعها إشباعًا تامًا). فالإرادة هي ميزة النوع الإنسانيّ، فالوعي مقترن بالإرادة ومرتبط بها ارتباطًا شرطيًا لا ينفك عنها، حيث ينفصل هنا مفهوم الرغبة أو الإرادة – على الفرق بينهما – عن مفهوم الحاجة، فالإنسان يشترك مع باقي الكائنات في الاعتماد على إشباع حاجاته الأساسية لضمان بقائه، أما الرغبة فإنها لا تحمل صفة الضرورة الحيوية ولا يعتمد بقاء الإنسان على إشباعها، فالإنسان يرغب في أكثر مما يحتاج إليه، بكثير، فضلًا عن استحالة إشباعها إشباعًا تامًا على العكس من الحاجة. إذن (فالناس جميعًا في كل وقت لابد لهم من مراد يقصدونه، ويتوجهون إليه، فالإنسان دائم الهم والإرادة، دائب العمل والحركة، ولذلك كان: أصدق الأسماء حارث وهمام. كما ورد في الحديث الذي رواه البخاريّ)(2).

وربما يكون السبب في هذه الرغبة المستمرة التي لا يمكن إشباعها راجع إلى النقص الملازم للوجود الإنسانيّ والمتجذر في طبيعته، والذي يؤدي إلى ما أشار إليه برتراند راسل في خطابه بحب التملك أو الاقتناء، وهو الرغبة في جمع أكبر كم ممكن من الأشياء على عمومها، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ثالثًا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). أي: لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره.

وعودةً إلى الارتباط بين الإرادة والتفكير والسلوك، فإن ذلك يعني أن أهم ما في الإنسان وأكبر معرِّف به هو ما يريده، ونجد ذلك حاضرًا بصفة مركزية في مفهوم النيّة. وفي التصور الإسلاميّ إعلاء من شأن الإرادة في الإنسان فهي مناط العهد مع الله وهي مناط التكليف والجزاء(3). فإن النية هي محط نظر الله تعالى من العبد، وإن العباد يبعثون على نياتهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم). وهناك بالطبع الحديث المشهور: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).

إطلاق التفكير = التعاسة

ولا يقف أمر الكلام عن النية أو الإرادة في التصور الإسلامي عند حد التعويل عليها كعامل رئيس في الفلاح في الآخرة أو عند الله، وإنما يشتمل كذلك على ربطها بالحالة النفسية للإنسان في الدنيا من السعادة والتعاسة، أو من الرضا والسخط. فعند ملاحظة الارتباط الضروريّ بين الإرادة أو الرغبة وبين التفكير والوعي – فحتى التفكير في الماضي لا يخلو من رغبة في تغييره أو استعادته – وملاحظة أن الرغبة بطبيعتها لا محدودة ولا نهائية ويستحيل إشباعها إشباعًا تامًا، نستنتج من ذلك أن التفكير، في صورته الخام، وعلى إطلاقه وعموميته، يجب أن يكون متعلقًا بما هو ليس في أيدينا، بما لم نحصل عليه بعد، ونرغب في الحصول عليه، ويكون مرتبطًا ضرورة وبصفة مبدأية بشعور النقص وإدراك المسافة الفاصلة بين المفكِّر والمفكَّر فيه، وهو المراد، تبعًا لارتباطه بالإرادة، وثانياً بشعور القلق والتوتر والحاجة إلى التغيير، للحاجة إلى تحصيل المراد وإدراكه، وثالثًا بالانتقال المستمر بين مواضيع التفكير والتنويع بينها تبعًا لتنوع الرغبات والإرادات والتجول المستمر بينها وعدم الاستقرار أو التركيز.

وهذا هو ما تثبت التجارب صحته، حيث يصرح Matthew A. Killingsworth و Daniel T. Gilbert أن (العقل الإنساني عقل هائم، والعقل الهائم عقل تعيس). وأن (القدرة على التفكير فيما لا يحدث الآن هي إنجاز معرفيّ يأتي بكلفة شعورية). وهما مؤلفا الدراسة التي نشرت في عدد 12 نوفمبر لعام 2010 من مجلة Science بهذا العنوان: (العقل الهائم عقل تعيس) (4).

الحل هو توجيه الفكر

والحل الوحيد لمواجهة هذا هو تعديل التفكير وتوجيهه وتوحيد موضوعه، التركيز، ومدافعة الخواطر المشتتة للذهن، وهو ما يشار إليه في دراسات علم النفس الإيجابيّ الحديثة بالـ Mindfulness، والمقصود بها هو التركيز الكامل للوعي على موضوع واحد، والذي كان عليه مدار أبحاث كثيرة أجريت على مدى أكثر من أربعين عامًا، والتي تنتهي إلى اعتباره ليس فقط أهم أسباب النجاح في الحياة ولكن أيضًا أهم أسباب الرضا. وهو ما أسهب Mihaly Csikszentmihalyi ، والذي يعتبر من أهم أعلام علم النفس الإيجابي، في الكلام عنه في كتابه الذي نشر عام 1997 Finding Flow.

وهذا هو ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: من كانت نيته الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له. فطبقًا للتصور الإسلاميّ طريق السعادتين في الدنيا والآخرة هو المعالجة الدائمة للنية، وتوحيد الرغبة، والإرادة، إلى الله سبحانه وتعالى، حيث يصبح كل موضوع للتفكير محكومًا بهذا التصور الكليّ وخاضعًا لهذه القيمة الأساسية.

يقول سيد قطب في تفسيره (في ظلال القرآن) عند قوله سبحانه وتعالى (وما عند الله خير للأبرار): إن الله سبحانه في موضع التربية وفي مجال إقرار القيم الأساسية في التصور الإسلاميّ لا يعد المؤمنين هنا بالنصر، ولا يعدهم بقهر الأعداء، ولا يعدهم بالتمكين في الأرض، ولا يعدهم شيئًا من الأشياء في هذه الحياة، مما يعدهم به في مواضع أخرى، إنه يعدهم هنا شيئًا واحدًا، هو ما عند الله، فهذا هو الأصل في هذه الدعوة، وهذه هي نقطة الانطلاق في هذه العقيدة: التجرد المطلق من كل هدف ومن كل مطمع ومن كل غاية، حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته وانتصار كلمة الله، وقهر أعداء الله، حتى هذه الرغبة يريد الله أن يتجرد منها المؤمنون ويكلوا أمرها إليه، وتتخلص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها ولو كانت لا تخصها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- مستفاد بتصرف من محاضرة لأستاذ نعمان علي خان بعنوان: 8 LEVELS OF PERSONALITY
2- مستفاد بتصرف يسير من كتاب "مقاصد المكلفين" للدكتور عمر سليمان الأشقر
3- من تفسير "في ظلال القرآن" لسيد قطب
عرض التعليقات
تحميل المزيد