لم تكُن الجمهورية أبدًا تعبيرًا يُستمد على قدر من الاستحقاق لمجرد وصفًا خياليًا ظاهرًا لشعبٍ يتحِد بالأيديولوجية الفكرية التى تكون على أساس الفكر المُشابة، والذى يغيب هذا بالطبع عن مُجرى الواقع. ولا بوصف شمولي يُطلق على دولة رحمها الأقليات الذين يستغيثون بالمقاومة لطرد عِزة العدو المُحتل بالإقصاء والنهر، ولا حتى أيضًا لمجتمع يربطه المكان في بُقعة محددة، أو أخيرًا لشعب مُتآلف في التوحيد.

الجمهورية لا تكون إلا بإدراج المعان لمسمياتها الطبيعية والمُجردة، دون التنصيل والتحريف لإطلاق عنان الطيف المنحرف لقصد تحويل وتبديل يطرأ على الحقيقة بوهمٍ يحتضِر بكُل حق.

لقد بزغت مصر بحضارتها من قبل أن يلتقم التاريخ في بدايته بإدانة حدث أو توثيق عدد واحِدًا من الأرقام، بوضعها حضارةً مُنذ القِدم، بدءًا من مصر القديمة بتجليات الاستقرار، مرورًا بالقرون لمصر الفرعونية الحديثة بركون لفت أنظار الحضارات الأخرى التي ما زالت تستفتح بالاطلاع على حضارتنا كمُرشد يقودها مثل شيء من العلو الحاضِر الجليس مُنذ القِدم، حتى تتالى على مصر من المُجريات الكثيرة منها الهاوية فى السقوط على يدٍ من أطماع الاستعمار، وأخرى مُجريات رافعةً بالاستعباد والاستعمار عن غفلة عتقها الحضاري الذى سُمح له أخيرًا بالبزوغ والنفح مجددًا للتعبير عن عِطره على يدٍ من رُشد فاتح من الفاتحين والغُزاه الهادفين لتعلية اسم البلاد الوريد للحضارة للعالم أجمع.

إلى أن أحتضنت القلوب برفعتها الأصيلة الفتح الإسلامي على يد عمرو بن العاص القائم بأعماله تحت أنظار فاروق الأمة عُمر بن الخطاب، الخليفة الثاني للمسلمين أحشادً ومُفترق. ثُم جرى العصر بإذون وأعين التقلبات حتى اكتسبت وصف المملكة المصرية بعد إنهاء طفيف لحماية الإنجليز على مصر، ليمضي التاريخ مرة أخرى لوصف أخير، بإعلان قيام الجمهورية فى مصر على يدٍ من الضباط الأحرار، والذي قاد هذه الحركة اللواء محمد نجيب نظرًا لعامل السِن. والذي لهذا العامِل وغيره من الثوابث دور كبير بعد ذلك لمدى احترام مطالب الشعب، حميد النية!

حتي تفشت الأحزاب بالانطلاق لرؤيتها الحضارية والتي تختلف مع أخراها في هدفها وسمو إشرافها! لتتحلي السُلطة بنشاط الكِبر والغرور المُتعامي عن رؤيا دائمًا تكون مُغايرة لألسنه الشعوب للأهداف المرجوة.

ومع تنوع منظور كُل حزبٍ عن آخر، أو طائفة عن أخرى، أو حتى في مجال تعبير مواطن بسيط يتخالف مع تعبير آخر، من شأنها إذًا أن تتبدل المفاهيم وتوضع المعان في غير مُجرياتها. ولا لوم هُنا بتاتًا عن التعبير من مُنطلق الحرية الذي هي حق لكُل أحد مهما كانت درجته، ولكن الذي يهمد ويضعف بكُل هذا شيء وحيد، هو تبدُل المفاهيم لدي كُل مواطن!

فهل كان سعد زغلول بطلًا شعبيًا مناهضًا ضِد الإنجليز أم كان عميلًا مواليًا لهم، وهل كان حِراك عرابي وبعض من أشراف الجيش ثورةً لإبادة كُل تدخُل أم كانت هوجة لنزع الاستقرار وبسط الفتنة. هل كانت أحداث يوليو ثورةً للقضاء على الاستعمار المستمر مُنذ عقود أم انقلابًا لإجهاض الملكية للأبد. هل كانت أحداث يناير ثورةً للنيل من الإماتة في القمع والتشوف للاستعباد والتغيُب عن مُدرك الإكرام والعِدال، أم كانت خداعًا ووعيًا زائفًا لمستقبل غير مدروج على حسابات مولد الفرعون الناشئ حديثًا. هل كان مذياع يوليو تحقيقًا لأحلام شعب قد اندثرت رؤيته المُختلفة في كُل بُقعة حاوية لتجمُع من هُنا وهُناك، أم انقلابًا يُداوي ما أحدثه الربيع؟ هل كان ثمن الحرية في أحداث يناير وما بعدها كمثل ثمن الحرية بعد انتهاء المذياع؟

بالطبع يا عزيزي قد بُدلت المفاهيم، لكي نرتقي من زمنٍ إلى آخر يحلوه ذات المُسميات، ولكنها تكون خارجة عن سياق المعاني!

تذكرت الآن وقوفي صغيرًا في ساحة المدرسة انتباهًا لتحية العلم، حينها كان حِلمي يدوي في علو، فالوطن أصبح لديه أحفاد يُعظمونه مُنذ الصِغر، ولا مرجع لديهم لهوان حين اصطحابهم له في الكِبر. كانت التحية من الجميع وبالجميع الذي لا يفرط منه أحد، لا اختلاف في الرأي ولا تزلق بمصطلح يُهاب له العقل، ولا انتماء لأحد غير الوطن!

لكن الآن في كِبري أرى الانتماء فى شخصٍ فُتح له مجال التعظيم وأغلق عنه مجال التوصيف، أرى الانتماء لا يحق له أن يكون إلا تابعًا لنظام يأخذ أعين الناظرين، أرى الانتماء في كلمة عابثة من التمجيد وعلى ثوب رجل الدين الواهِب لدُنياه دون أخراه. ولا عيب الآن في أن يصبح الوطن هو السُلطة والشعب هو الرئيس!

ومن ثم تكون الجمهورية مقصورة على حِلم الرئيس وانتهازه لأحلام شعبه، فهل تحيا جمهورية مصر العربية بعيدة عن الشعب، أم يكون الشعار الجديد الذي لابُد أن يُرفق فى التاريخ، تحيا انتهازية مصر العربية!

وللحديث بقية في مقال جديد قد يطول، وسيكون عنوانه مهدًا لسلاسل لا تتوقف.

الذين لا تطلع عليهم الشمس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد