«يجب أن نعترف أن الوصول إلى الديمقراطية صعب وشاق، ولأنه يتطلب نضالًا يوميًا من كل فرد وعلى جميع المستويات، وخاصة أن غياب الديمقراطية خلال الفترات الماضية جعل إحساس الناس بها ضعيفًا أو بالأحرى غير عملي وبالتالي صنفوا الجماهير العربية، أو صنفوا المرحلة العربية، بأنها قبل الديمقراطية أو بعدها» عبد الرحمن منيف.

قبل سبعة أعوام من الآن كانت حادثة حرق البوعزيزي لنفسه في تونس لتشعل الربيع العربي في الدول العربية لتبدأ في تونس وتمتد إلى مصر ثم سوريا وهكذا باقي شعوب هذه الدول التي تطالب بإسقاط الديكتاتورية والتسلطية ورفع شعار الديمقراطية على أكتافهم عاليًا، سرعان ما تحول هذا الربيع إلى خريف عربي على الرغم من أنه ثورة شعبية خالصة وما أن تثور الجماهير الشعبية فإنها على حق دائمًا لكن ما حدث ليكون هذا التحول؟

لنبدأ بتفصيل المنظومة القائمة برمتها التي تبدأ من فتاة وشاب قررا بناء مؤسسة المجتمع الأولى الأسرة وهكذا مرارًا لتتكون نواة المجتمع التي سيخرج من رحمها لاحقًا الحاكم أو الرئيس، فما مدى إيمان هذه الأسر بتقبل الرأي الآخر سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي سواء في مجتمع العمل أو الأصدقاء وهكذا حتى عموم المجتمع ككل؟

أو ما مدى تقبل أن الحقيقة ليست حكرًا على شخص واحد دون الآخر؟ وأن ما يحدث من خلافات وجدالات ما هي إلا وسيلة للوصول إلى حلول منصفة قائمة على الاحترام والتعاون؟ وما مدى فعالية وجود الحوار في النقاشات واللقاءات اليومية؟ هل الديمقراطية بمفاهيمها وعناصرها ممارسة يومية على كافة الأصعدة والمستويات في المجتمع؟

إذن فالتغيرات الصغيرة التدريجية تؤدي إلى تغيرات كبيرة إذا ما أعطيت الوقت الكافي، فلا أحد يستطيع إنكار أن المجتمعات العربية تعيش حالة من التردي والضياع المستمر منذ عقود، وللعبور من مجتمع تسوده الديكتاتورية والسلطة المطلقة للحاكم، إلى الديمقراطية لا بد من الإيمان القوي بها ولا يكفي إحداث تغير فجائي تحت مسمى الثورة التي تعتبر المحرك التاريخي للشعوب والسبب الأول في تغييرها من الداخل، وهذا ما ذكره عبد الرحمن منيف: «الوصول إلى الديمقراطية صعب، ويقتضي نضالًا شاقًا ومستمرًا لإثبات العكس، ويقتضي أيضًا انتزاع هذا الحق بالتدريج وتعزيزه بإستمرار، وهذا النضال ليس في مواجهة الأنظمة فقط، وإنما يجب أن يشمل جميع المؤسسات السياسية والمهنية، والمنطقية والقومية، ويجب أن يكون مهمة كل يوم، أي المهمة الدائمة لأنه عن هذا الطريق يتم التراكم وتحقيق الإنجاز، ويتولد مناخ مساعد على الانتقال، وتتولد أخيرًا مناعة تحول دون التراجع».

أذكر في أحد اللقاءات الفكرية طرح سؤالًا أصيلًا «هل تطبيق العدالة في المجتمع يبدأ من الحاكم أم من الناس؟» وقام خلاف فلسفي أثار العديد من الأسئلة التي تتطلب إجابات واضحة لإعادة ترتيب المفاهيم المبعثرة في وعي الشباب العربي. لكن باعتقادي أن المظهر الأيديولوجي السياسي لأي دولة أو شعب ما هو إلا ترجمة للمظهر الاجتماعي والاقتصادي في المنظومة. يقول كارل ماركس إن الطبقة الفوقية قد تؤثر في الطبقة التحتية لكن لا يعترف لها بأي تاريخ مستقل فكل التحولات التاريخية منذ المجتمع العبودي في العصور القديمة إلى المجتمع الغربي المتحرر في أيامنا هذه تعود إلى تحولات في البنى التحتية.

فهذه السلطة التي تحملها البنى التحتية وتضع لها الركائز الأساسية بطريقة أو بأخرى لا بد من أن ترتكز هي أيضًا على التقبل والاحترام والنضال اليومي في كافة أشكال الحياة في المجتمع ولا مجال للتراجع لأن الوصول إلى الديمقراطية لا يأتي في عشية ليلة وضحاها، ولا هوادة في هذا المتطلب الذي سيكون مفتاحًا للوصول إلى العديد من الحلول الواجب تقديمها للتخلص من هذه الحالة القائمة من الخنوع والتردي وعدم الاستقرار. فثورات الربيع العربي لم يقُدها سوى الجياع وفقراء المدينة، وكانت قائمة على التهييج والعنف الذي لا يفضي إلى نتيجة حقيقية توصلنا إلى تغيير عميق، فكان لا بد من إحداث تغيير في النسيج الاجتماعي أولًا وإقامة نظام تعليمي تفاعلي ثنائي العلاقة بين المعلم والتعلم، وإعادة ترتيب مفاهيم الوعي العربي وزيادته بكافة الوسائل الممكنة والمتاحة، والأهم من هذا كله تحريك المياه الراكدة تجاه العادات والموروثات المتناقلة وإعادة تفنيد ما هو صالح منها وما يجب حذفه من العقل الجمعي، والعمل على تفتيت جميع النعرات الطائفية والقبلية القائمة على التحيز والعنصرية العمياء لتدشين مرحلة جديدة في التفكير والوعي العربي وصولًا إلى مجتمعات تتبع النهج الديمقراطي الذي هو بمثابة حل وسط للحاكم والمحكوم وكافة الطبقات الاجتماعية والفكرية والسياسية ومجتمع شمولي للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد