عند كتابة هذه السطور، أعلن الشعب الجزائري تنظيم مسيرات سليمة حاشدة في البلاد يوم الجمعة للمطالبة برحيل نظام بوتفليقة وكافة رموزه والانتقال إلى جمهورية ديمقراطية والسعي نحو تحقيق طموح الشعب، وربما سيتم الإعلان عن خطوات جديدة في غضون هذه المسيرات.

وفي ظل هذه الأجواء تتجه الأنظار في كافة الأقطار العربية والدولية نحو هذا البلد العربي الشقيق وتتابع الأحدث التي ربما تحمل سيناريوهات عدة للمشهد السياسي هناك، رغم التفاؤل الكبير لنجاح الحراك الشعبي.

وقبل أيام اتخذ بوتفليقة عدة قرارات عقب عودته من رحلة علاج في سويسرا تتعلق بتأجيل الانتخابات وعدم ترشحه لولاية خامسة وتشكيل حكومة تضم كافة أطياف الشعب وغيرها من القرارات.

لكن أهم هذه القرارات تتمثل في تأجيل الانتخابات وفتح حوار وطني، ورغم أن الجزائريين نظموا مظاهرات من أجل خروج بوتفليقة ورموز نظامه من الحكم، وإذ به يفاجئ شعبه أنه سيظل فترة في الحكم، تعني تمديد لبقائه على الكرسي ربما تطول أو تقصر، حتى إجراء انتخابات رئاسية.

هذا الإجراء لا يختلف عما تم الإعلان عنه منذ أيام عند تقديم أوراق ترشحه أنه لن يمكث في الحكم أكثر من عام وسيعلن عن انتخابات رئاسية مبكرة، وهو المطلب الذي رفضه الجزائريون من قبل؛ لأن هذه الخطوة ستساعد النظام على تنظيم صفوفه وترتيب أوراقه والالتفاف على مطالب الشعب، وهذا ما يعيه الجزائريون جيدًا، لكن هل سينجحون في التصدي لهذه الخطوة؟

سألت زميلة جزائرية عن رأيها في هذا المشهد، أكدت أن «الشعب مصمم على مواصلة النضال والإصرار على رحيل كل رموز النظام» الذين ووصفتهم بـ”العصابة”، وأضافت أن هذه هذ مطالب الشعب وراهنت على وعي الشباب بشكل أكبر في هذه الأمر.

ونفت أن يكون مصير الجزائر كمصير أي دولة عربية تعرضت للربيع العربي، وقالت «لن يكون الربيع العربي بالجزائر.. ستنتصر إرادة الشعب الذي يطالب بتعيير جذري بكل سلمية».

في الحقيقة الزميلة محقة في هذا الأمر، فمنذ عشرين عاما وعبد العزيز بوتفليقة في سدة الحكم، الشعب يريد تغييرا للأوضاع والنظام، وهذا حق مشروع، خصوصا بعد تعرض بوتفليقة لجلطة دماغية في عام 2013 ولم تعد زمام الأمور في يده بل انتقلت إلى شقيقه سعيد الذي يتمتع بالنفوذ الأقوى والذي وصفته «الفايننشيال تايمز» بحارس بوابة الرئيس، فهو الذي يمسك بزمام الأمور لكنه على غير وفاق مع بعض قادة الجيش وخصوصًا رئيس الأركان حيث يدور صراع خفي بين الرجلين.

أكد عبد العال رزقي، أحد قادة المعارضة السياسية في الجزائر، في تصريحات نقلها موقع قناة «الغد العربي» أن «جماعة الرئيس أو شقيقه سعيد بوتفليقة أكثر تحديدًا هو من طلب من عبد العزيز أن يستمر في منصبه، وهو من اقترح عليه صياغة دستور جديد، كنوع من الاستخفاف بعقول المتظاهرين»، كما نشر على موقع «ساسة بوست».

وحسب ما نُشر في موقع الجزيرة نت، أصبحت الجزائر من بين أكثر الدول فسادًا في التصنيف العالمي لمنظمة الشفافية الدولية، حيث احتلت المرتبة 105 من جملة 180 دولة، ولذا كان هناك دافع قوي لخروج الجزائريين إلى الشارع والمطالبة برحيل بوتفليقة من أجل الحفاظ على مقدرات الدولة وحماية المؤسسات من الفاسدين، لكن هل سينج الجزائريون في هذا الأمر؟

أعتقد أن تنحي بوتفليقة ورحيل نظامه لهو الصعوبة بمكان، رغم كونه ممكنا، خصوصًا أن الذين يمسكون بزمام الأمور هم أقارب بوتفليقة، وخاصة شقيقه سعيد وبعض الذين يثق بهم بوتفليقة، ولهذا فهم متخوفون من رحيل النظام وتسليم السطلة بشكل سلس، الأمر الذي سيعرضهم للمساءلة والمحاسبة على كل ما جنته أيديهم خلال فترة الحكم في حال خروجهم من الحكم.

لكن ربما وجود وزير الخارجية الأسبق الأخضر الإبراهيمي في المشهد سيحقق توازنا أو مكاسب لصالح بوتفليقة ونظامه خصوصًا أن المجتمع الدولي حريص على أن من يخلف بوتفليقة لابد وأن يحمل نفس العقلية حتى لا تتضارب المصالح.

في كلمة متلفزة يوم الأربعاء الماضي قال رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق قايد صالح إن العلاقة قوية بين الجيش الوطني والشعب، وأضاف «لا أمل إطلاقا من الافتخار بعظمة الثقة التي تربط الشعب بجيشه».

لكن هل سيضحي الجيش ببوتفليقة بهذه السهولة ويجبره على التنحي والخروج من المشهد السياسي؟ أعتقد الأمر ليس من السهولة بمكان إلا إذا تم تقديم امتيازات للأطراف التي تحظي بنفوذ قوي.

يحدث في دوائر الحوار الضيقة والمغلقة ما لا يمكن قوله في العلن، لكن ربما سيكون هناك خروجا آمنا لعدد من الرموز والشخصيات بارزة في النظام من أجل العبور إلى المرحلة التالية للبلاد، نسأل الله أن يوفق الشعب الجزائري في مساعيه ويجنبه الفتن ما ظهر منا وما بطن.

يبلغ عدد السكان في الجزائر 42 مليون وأن مساحة الدولة حوالي 2.4 مليون كيلو متر مربع، فهي عاشر أكبر بلد في العالم والأولى أفريقيًا وعربيًا ومتوسطيًا والثانية في العالم الإسلامي بعد جمهورية كازاخستان.

وتحتل المرتبة الـ16 من حيث احتياط النفط في العالم وثاني أكبر احتياط نفطي في أفريقيا والمرتبة التاسعة من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي، ورغم ذلك تحتل الجزائر المرتبة الـ105 عالميًا من حيث دخل الفرد اليومي بمتوسط بـ7.5 دولارًا دخلًا يوميًا لمواطنيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد