ترمب والنظام العالمي الجديد

الهجمة الشرسة التي تشنها الدولة العميقة في أمريكا، وهي الأوليجارشية المتوحشة عبر أذرعها الإعلامية الأكثر توحشًا ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تكن إلا بسبب محاولة ترامب الانكفاء على المصالح الأمريكية البحتة، وتحقيق أماني الشعب الأمريكي بعيدًا عن طموحات النخبة الثرية المتسلطة! فمنذ انتخابه وحتى أثناء حملته الانتخابية، أطلق ترامب تصريحات مرعبة للنخب الأمريكية، التي ما فتئت تخطط منذ عقود عديدة لإقامة حكومة عالمية واحدة، والسيطرة على موارد الشعوب واقتسامها، بل أكثر من ذلك تحديد عدد سكان هذا الكوكب وتقسيمهم إلى سادة وعبيد! ولكن يبدو أن الرياح تجري إلى الآن، وربما تستمر، بما لا تشتهي السفن!

إن نجاح ترامب بانتخابه رئيسًا عطل خطط النخبة، التي تقود دفة الحكم في أمريكا وحلف الناتو، التي كانت تستفز روسيا والصين لحرب عالمية ثالثة تفضي – حسب مخططهم– إلى اقصاء الأعداء، والسيطرة على العالم، وإقامة حكومة واحدة تدير شؤون الأرض! ومن الواضح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد دفع بكل ثقله الاستخباراتي لانتخاب ترامب لتعطيل إقامة هذا النظام العالمي الجديد- القديم، الذي يُقال إن معارضة بوتين له كانت صدمة لأقطاب هذا النظام كديفيد روكفلر، وروثجايلد وأمثالهما، لأنه -أي بوتين- تربى في أحضان هذا النظام، وهم من أوصله لإدارة KGB قبل أن يعتلي سدة الرئاسة لروسيا الاتحادية! ولنسمع بعضًا من الإرهاصات التي أدت إلى انتخاب ترامب، وللقارئ التقدير إن كانت مؤثرة فعلًا أم لا.

كتب الصحافي توم ليونارد في نيويورك لصحيفة الديلي ميل البريطانية Daily Mail قبل أيام من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وتحديدًا في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، أن المشرّع الروسي فلاديمير جيرينوفسكي، المقرب من الرئيس الروسي بوتين، والمعروف بتصريحاته النارية، هدد بأن على الأمريكان انتخاب المرشح الجمهوري دونالد ترامب، وإلا فسينجرون لحرب نووية مروعة، إذا انتخبوا هيلاري كلينتون! وجيرينوفسكي هذا معروف بأنه مهرج لدى الكثير من الروس، وأنه خادم أمين للكرملين، وكثيرًا ما يدلي بتصريحات لاختبار ردة فعل الشعب. وأضاف جيرينوفسكي بأن العالم سيرى هيروشيما وناغزاكي في كل مكان، فيما لو انتخب الأمريكان هيلاري كلينتون! ويتابع جيرينوفسكي أن: «انتصار ترامب سيكون هدية للإنسانية، ولكن إن فازت هيلاري فستكون آخر رئيسة لأمريكا وللأبد». وتهكم على كيفية أن تحكم امرأة دولة عظمى كأمريكا بعد أن حكم الرجال لملايين السنين، حسب قوله.

ويبدو أن نصائح هنري كسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، لدونالد ترامب، والتي كتب عنها نيال فيرغسون بتاريخ 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016؛ أي بعد انتخاب ترامب بأسبوعين، كانت متوقعة لدى الروس، الذين من الواضح أنهم تدخلوا بطريقة أو بأخرى لينتخب الشعب الأمريكي ترامب. إذ أوصى كسنجر ترامب بإعطاء روسيا ما بعد الإمبراطورية – ما بعد الاتحاد السوفيتي– الاعتراف الذي يحتاجه فلاديمير بوتين على أساس أنه قوة عظمى وند لأمريكا، وليس متسولًا في نظام من تصميم أمريكا! وهذا واضح مما يفعله بوتين في الشرق الأوسط منذ اقتراب نهاية ولاية باراك أوباما وإلى اليوم في عهد ترامب!

وربما لاحظ المراقبون من ذوي الرؤية المستقبلية، والعارفين ببواطن أمور النظام العالمي القديم- الجديد، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي زار موسكو عدة مرات بالعلن قبيل الانتخابات الأمريكية في نوفمبر عام 2016، فقد التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سبتمبر (أيلول) 2015، وفي أبريل (نيسان) 2016، ثم في يونيو (حزيران) 2016. وقد يكون من المعلوم أن إسرائيل ترفض بشكل قاطع إقامة حكومة عالمية واحدة، كما تخطط الأوليغارشية العالمية في النظام العالمي القديم-الجديد؛ لأن إسرائيل تريد أن ترث القوة الأمريكية لتنشئ هي مملكة بني إسرائيل، حيث يكون اليهود أسياد العالم وبقية الناس عبيدًا لهم، وعندها ستنتقل الجنة إلى الأرض كما يقول ويؤمن به حاخاماتها وكبراؤها! وهذا الحاخام مايكل ليتمان Rabbi Michael Laitman (1946- …) يؤكد: «وهكذا فنحن اليهود جئنا هنا كي نضع الأمور في نصابها كما في كوكبنا الأم. ونحن نتجمع كمجموعات، ونبدأ بتحضير أنفسنا لاستعمار الأرض. هذه هي المهمة. كيف نستعمرها؟ لقد أرسلت لنا الطريقة، إنها قادمة من كوكبنا الأصلي. وشكرًا لتلك القوة الطبيعية الأصلية التي نملكها، سنسيطر على من يعيش على سطح هذا الكوكب»!

كان المؤمل لدى الأوليغارشية العالمية أن تفوز هيلاري كلنتون التي ستحجم إدارتها روسيا والصين، ولو عن طريق الحرب، ثم السيطرة الكاملة على العالم وإقامة الحكومة العالمية كما أسلفت! وهنا التقت أهداف إسرائيل وروسيا بوتين برفض الانصياع والذوبان في النظام العالمي الجديد. فروسيا تريد استعادة الإمبراطورية السوفيتية، وتريد إسرائيل قيام مملكتها الأرضية على كامل سطح الأرض. ولهذا فالحديث عن تدخل روسيا في انتخاب ترامب لا يمكن إلا أن يكون صحيحًا لما ذكرته قبل قليل، وعطفًا على ما قاله جيرينوفسكي بأنه إذا انتخبت هيلاري كلنتون فستقوم الحرب الكونية الثالثة باستخدام الأسلحة النووية!

وواضح للعيان كل الوضوح التناغم بين الرئيس ترامب وإسرائيل؛ فكلاهما ضد أحلام الأوليغارشية العالمية، ولذلك فهو يعتمد على اللوبي اليهودي في أمريكا، وعلى الحركة اليمينية المتطرفة الجديدة، والتي تسمى اليمين البديل، Alt-Right والتي دعمته في الانتخابات بقوة. والمحيّر أنها حركة تتبنى العنصرية المتطرفة وتفوق العرق الأبيض، وتدعم معاداة السامية، فكيف اتفقت أفكار هذا اليمين المتطرف مع الرئيس ترامب الذي يؤيد إسرائيل واليهود عمومًا؟! ولهذه الحركة شعبية كبيرة في أمريكا. إضافة إلى اعتماده – أي ترامب- على من استفاد أو قد يستفيد ماديًّا واجتماعيًّا من سياسته في نهب الدول الأخرى وتوظيف العاطلين، وتحسين الخدمات، والبنية التحتية المتهالكة!

إلا أن الدولة العميقة في الولايات المتحدة قد تكون صاحبة القول الفصل في العلاقات الأمريكية- الروسية، وخاصة بعد «الارتباك» في موقف الرئيس ترامب نتيجة تحقيقات المحقق مولر في قضية الانتخابات الرئاسية في 2016، وهذا واضح في لغة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الأيام القليلة الماضية، إذ إنه يحذر بل يتخوف من إلغاء أمريكا بعض المعاهدات النووية بين البلدين التي ربما تؤدي إلى كارثة نووية عالمية!

بغض النظر عمن نؤيد ومن سينتصر، الرئيس ترامب أم الدولة الأمريكية العميقة، فإن الوضع الدولي لا يمكن التنبؤ به لأن القائمين عليه مجموعة من المرضى العقليين «السيكوباتيين» الذين يريدون السيطرة على العالم وخيراته واستعباد سكان الأرض بعد تقسيمهم إلى سادة وعبيد! وقد تستحق شعوب الأرض هذا الإذلال والمهانة، فلولا خنوعهم لما تجبر عليهم هؤلاء المفترون الذين لا يحسبون حسابًا للعدل والمساواة بين البشر، ولا يهتمون إلا بمصالحهم الشخصية وربما الوطنية اللاإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات