تتجه أنظار الجميع نحو مؤتمر جنيف الثالث لمحادثات السلام، من المنتظر حدوث بعض اللقاءات بين ممثلي نظام الأسد وممثلي المعارضة خلال تلك المحادثات؛ لوضع خارطة الطريق المنشودة من أجل إحلال السلام في سوريا. ومع ذلك، فإن حالة الفوضى وعدم الاستقرار المستمرة في سوريا سوف تُلقي بظلالها على هذه المحادثات. ووفقًا لستيفان دي مستورا، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، فإن يوم 25 يناير 2016 كان هو الموعد المحدد لبدء المحادثات، وهو الموعد الذي تم تأجيله حتى 26 فبراير نتيجة بعض الخلافات والغموض حول نوايا الأطراف المشاركة في المحادثات. ومع ذلك فقد أعلن ممثلو المعارضة، يوم الجمعة الماضي، رفضهم المشاركة في المحادثات؛ بسبب الإخلال بالشروط المسبقة لبدء المحادثات.

 

طلبت الهيئة العليا للمفاوضات – والتي أُسست في وقتٍ سابق خلال اجتماع الرياض – من الأمم المتحدة استيفاء بعض الاشتراطات من أجل حضور وفد المعارضة لمحادثات جنيف، تتعلق تلك الاشتراطات بثلاث نقاط رئيسة، وهي وضع نهاية للقصف الجوي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، ورفع الحصار الذي فرضته قوات النظام على المناطق المأهولة بالمدنيين، وبالأخص بلدة  مضايا.

 

أعلنت الهيئة، في بداية الأمر، رفضها لحضور مؤتمر جنيف الثالث، وذلك بسبب عدم استجابة الأمم المتحدة لمطالبها، وهو ما تغير لاحقًا في أعقاب تلقي الهيئة لضمانات من قبل الأمم المتحدة، ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري حول تنفيذ شروطهم المسبقة قبل عقد الاجتماع، وهو ما ترتب عليه موافقة الهيئة على حضور المحادثات التي ستُجرى في الأيام التالية.

 

ووفقًا لتلك الشروط، فإنه لم يحضر في اليوم الأول من المحادثات – الموافق الجمعة – سوى وفد النظام الذي يرأسه بشار الجعفري سفير سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة.

 

من المواضيع الرئيسة المطروحة للنقاش في المحادثات هي عما إذا كانت ستُوجه الدعوة لحزب الاتحاد الديمقراطي – وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الإرهابي – لحضور محادثات السلام. أعلنت تركيا نيتها مقاطعة تلك المحادثات في حالة توجيه الدعوة لممثلي حزب الاتحاد الديمقراطي وذلك استنادًا إلى إدراجه تحت المظلة نفسها التي يندرج تحتها حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية، هذا بجانب التعاون السافر الذي يجمع بين الحزب ونظام الأسد.

 

تحدث رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو خلال حواره مع كريستان أمانبور من قناة الـ CNN – وذلك على هامش مؤتمر دايفوس الاثنين الماضي – حول المسألة التي تتعلق بدعوة حزب الاتحاد الديمقراطي لمحادثات جنيف قائلا:

 

“يريد الجميع  من الأكراد السوريين الحضور والتواجد حول طاولة المحادثات في جنيف، فبدونهم لن تكتمل تلك المحادثات، ولكننا ضد حضور وحدات حماية الشعب الكردي YPG  للمحادثات، لماذا نقف ضد حضورهم تلك المحادثات؟ والسبب أن وحدات حماية الشعب الكردي YPG هي امتداد لحزب العمال الكردستاني الإرهابي والذي يُصنف كمنظمة إرهابية، ليس فقط من قِبل تركيا، بل أيضًا من قِبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة”.

وقد عقبت السيدة أمانبور بالسؤال التالي: “ربما أنت والاتحاد الأوروبي تصفوهم بالإرهابيين، ولكن الأمر يختلف فيما يتعلق بالولايات المتحدة التي تتعاون وتعمل معهم، فهم بمثابة قواتها على الأرض، فهل حان الوقت لإدراك الحقيقة؟” وقد أجاب داوود أوغلو قائلًا: “إن هؤلاء ممن يعملون معهم  كشركاء شرعيين هم في واقع الأمر لا يدركون حقيقة الوضع في المنطقة، من المستحيل أن نقتنع أن هؤلاء يسعون إلى إحلال السلام”.

 

وبالتبعية تحتم عدم دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي لمؤتمر جنيف الثالث، وأصدر لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي بيانًا يقول فيه: “ أرسل  السيد ستيفان دي مستورا – (المبعوث الأممي الخاص لسوريا) – الدعوات، كان حزب الاتحاد الديمقراطي هو السبب الرئيس في معظم المشكلات، وأخبرني السيد دي مستورا أنه في الواقع لم يرسل أية دعوات إليهم”.

 

في الواقع، فإن هناك تقريرًا قد صدر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان SNHR)) بتاريخ 18 يناير 2016 بشأن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي مارسها حزب الاتحاد الديمقراطي PYD تجاه المدنيين في المناطق التي استولى عليها منذ تأسيسه، وهو ما يؤكد المخاوف التي تنتاب الجانب التركي بخصوص تلك المنظمة الإرهابية.

 

يحتوي هذا التقرير على صور، ومقاطع فيديو، وإفادات لشهود عيان بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان التي لا حصر لها والتي مُورست من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي، والتي امتدت من جرائم التطهير العرقي حتى الاحتجاز التعسفي، وإجبار الأشخاص – والأطفال على وجه الخصوص – على حمل السلاح، وتهجير السكان المحليين من العرب والتركمان من منازلهم …”

 

أبرز التقرير بعض الأفعال غير الإنسانية التي مارستها تلك المنظمة في الأجزاء الشمالية والشمالية الشرقية من سوريا عقب انسحاب قوات الأسد منها وتسليمها لحزب الاتحاد الديمقراطي في 2012، والتي تضمنت الآتي:

 

– قتل ما يقرب من 91 مدنيًا، من بينهم 7 نساء و17 طفلًا، في المجازر التي حدثت عامي 2013 و2014 في الغبيش، وتل براك، والحاجية، وتل خليل في محافظة الحسكة.

 

– احتجزت قوات الـ PYD ما لا يقل عن 1651 شخصًا بشكل تعسفي في أنحاء متفرقة من الحسكة.

 

– وفاة أكثر من 16 شخصًا جراء التعذيب.

 

– أكدت عائلة أحد النشطاء الإعلاميين المحليين أن ابنهم توفي يوم 15 يوليو 2014 تحت وطأة التعذيب.

 

– بتاريخ 13 سبتمبر 2013، قُتلت سيدة تبلغ من العمر 44 عامًا مع أطفالها الستة في قرية الحاجية.

 

أجبرت وحدات حماية الشعب YPG – الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي – السيدات من الحسكة، والقامشلي، وعفرين على الالتحاق بالمنظمة، وقد تم إلقاء القبض على 88 سيدة، بينهم 34 قاصرًا، في الفترة بين 2014 وأكتوبر 2015.

– اعتبارًا من التاريخ 31 ديسمبر 2015، قتلت قوات حزب الاتحاد الديمقراطي 51 طفلًا، إما عن طريق القنص أو إطلاق النار العشوائي، تم احتجاز 111 طفلا بشكل تعسفي، في حين أن هناك ما يقرب من 1876 طفلًا تم تجنيدهم قسريًا في وحدات حماية الشعب، وذلك حتى 20 نوفمبر 2015.

 

– هجّرت قوات الـ PYD آلاف الأشخاص من منازلهم، وذلك بعد أن دمروا ما يقرب من 30 بلدة وقرية صغيرة، معظمها قرى وبلدات عربية، في الحسكة.

 

– يصف التقرير أيضًا حالات العنف، والظلم، والتعذيب، والقمع التي تعرض لها التركمان على أيدي قوات الـ PYD وهو ما دفعهم للانتقال إلى مناطق أخرى في البلاد بحسب ما ذكروا أثناء بعض المقابلات التي أجريت معهم، ولكنهم فروا بعد ذلك إلى الأراضي التركية هربًا من الظروف القاسية الموجودة هناك.

 

يحتوي التقرير على قائمة تطول وتطول من الإجراءات غير الإنسانية المشابهة لتلك السالف ذكرها، وهي مصحوبة بالوثائق وإفادات الشهود التي تصف حجم الإرهاب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت من قبل وحدات حماية الشعب الكردي YPG وحزب العمال الكردستاني PKK في العراق.

 

تلك هي الحقائق الراسخة حول الـPYD ، الذي تستخدمه بعض القوى العالمية كوكلاء لهم لتنفيذ أهدافهم ومخططاتهم في المنطقة، وهو ما يفسر حالة الدعم الكبير الذي توفره هذه القوى العالمية لتلك المنظمة، ومحاولات التغطية على الجرائم التي ارتكبتها. ومع ذلك، فإن جميع هذه الحوادث، المدرجة بالسجلات الرسمية، لا تمثل سوى جزء بسيط للغاية من مجموع الجرائم التي تم ارتكابها من قبل الـ PYD.

 

في الوقت نفسه، أظهرت بعض التقارير الواردة حديثًا عن حدوث اجتماع سري يوم الخميس الماضي بين رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم، والرئيسين المُشتركين لمجلس سوريا الديمقراطي هيثم مناع وإلهام أحمد، والوزير السوري السابق وأحد قادة المعارضة قدري جميل من جهة، وبين فريق خاص تم إرساله من قبل المبعوث الأممي دي مستورا من الجهة الأخرى، وعلى ما يبدو فإنه وخلال هذا الاجتماع فقد أخبر الفريق الذي أرسله دي مستورا الطرف الحاضر من حزب الاتحاد الديمقراطي بأنه حتى لو لم يكن في الإمكان دعوتهم لحضور الجولة الأولى من محادثات جنيف، ستكون هناك فرصة أخرى في الجولة الثانية، وكل ما عليهم فعله هو الانتظار لأسبوعين أو ثلاثة فقط.

 

التفسير المبدئي الذي سيخطر على ذهن الكثيرين عند الاطلاع على المبادرة للوهلة الأولى أن الأمم المتحدة – وبدعم من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وروسيا – تحاول إقامة نوع من أنواع التوزان بين الأطراف المشاركة في المحادثات، ولكن يجب علينا تجنب هذا التفاؤل، وألا ننسى حقيقة أن أحد الأطراف التي قد تشارك في الحوار هي منظمة إرهابية. يجب علينا مراقبة التطورات بشكل حذر للغاية، وذلك لأنه في الوقت الذي تسعى فيه الأمم المتحدة والقوى الدولية لوضع الترتيبات اللازمة، وذلك للتأكد من أن مؤتمر جنيف 3 سوف يمضي قُدمًا بدون مقاطعة المعارضة السورية وتركيا له، فإنه يجب علينا أيضًا التأكد من أن حزب الاتحاد الديمقراطي PYD – والذي هو نفسه حزب العمال الكردستاني – لن يكون طرفًا في هذه المحادثات.

 

سيتذكر القراء أنه منذ شهور قليلة مضت، وقّعت الأمم قرارًا من شأنه السماح لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة المشاركة في الحرب داخل سوريا بدون موافقة الحكومة. ستُظهر الأيام القليلة القادمة، وفي ضوء هذا القرار، عما إذا كانت لتلك المبادرات الأخيرة القدرة على وضع الحل لمعاناة الشعب السوري المنكوب، أم أنها مجرد وسيلة لفرض المزيد من القيود على المنطقة لتفكيكها وتفتيتها لمصلحة العديد من القوى الدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد