من أزمة كندا مرورًا بتقرير لجنة خبراء مجلس حقوق الإنسان وانتهاء بأزمة الصحفي جمال خاشقجي، شهر من الأحداث المتتالية كانت كفيلة بضرب سمعة السعودية دوليًا وتقديمها كدولة مارقة متجاوزة بذلك سمعة دول معروفة في ملفاتها السوداء في انتهاكات حقوق الإنسان ككوريا الشمالية وفنزويلا، وتداعيات هذا التدهور في صورة الدولة السعودية عالميًا ستقود مؤكدًا لتأثيرات جوهرية على حكم محمد بن سلمان والعائلة الحاكمة السعودية عمومًا.

قبل شهر من الآن خسرت كندا علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع دولة محورية في الشرق الأوسط كالسعودية، إلا أنها كسبت احترامًا كبيرًا لدى العالم حين أعلنت انحيازها للنشطاء السعوديين وحقوق الإنسان. وفي مقابل هذه الصورة المشرقة لكندا ظهرت السعودية أمام العالم كدولة قمعية قائمة على الخوف ومستقوية بعلاقتها بالادارة الأمريكية وغير عابئة بأي اعتبارات لحقوق الإنسان، في عالم متغير أصبحت فيه مسائل الحقوق والحريات شأنًا كونيًا تتراجع معه مفاهيم السيادة المطلقة والاستقلال الوطني، وتجد اهتمامًا متزايدًا إن لم يكن على المستويات الرسمية فعلى المستويات الشعبية والمدنية والحقوقية والرأي العام.
أقل من أسبوعين بعدها، شاهد المجتمع المدني والحقوقي الدولي طريقة استقبال السعودية لتقرير لجنة الخبراء المفوضة من مجلس حقوق الإنسان ورفضها قرار تمديد عملها بالقيام بتحقيقات مستقلة في انتهكات وجرائم الحرب في اليمن. وهو التقرير الذي رمى بالمسؤولية الأكبر على السعودية والإمارات في جرائم الحرب باليمن، وتحميلها المسؤولية الكاملة عن المجاعة وتدهور الحالة الإنسانية كمحصلة طبيعية لسيطرتها على المواني والمطارات، إضافة لمنعها تمكين الحكومة الشرعية من إدارة المناطق المحررة والمواني وتصدير البترول والغاز، تماشيا مع رغبة الإمارات حليفتها في الحرب.
الحشد السعودي للتصويت ضد قرار تمديد لجنة عمل الخبراء لم تجد له السعودية من أنصار سوى دول كوبا وفنزويلا والصين وبوروندي وباكستان ومصر والإمارات، والتأمل في هذه الدول يجدها عبارة عن أنظمة بوليسية قمعية معروفة بسجلها الأسود في ملفات الحقوق والحريات، بما يعكس الحالة المزرية التي وصلت لها صورة السعودية أمام المجتمع الدولي. مما يعني بشكل أو بآخر أن هذا الأخير يحمل السعودية المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن المأساة اليمنية والمجاعة التي تضرب 22 مليون من أصل 30 مليون يمني بحسب التقارير الأممية.
لتأتي بعد هذا كله قاصمة الظهر لسمعة المملكة دوليًا حين انصدم العالم بكل مستوياته الرسمية وغير الرسمية، بجريمة بشعة حقوقيًا وإنسانيًا وسياسيًا في حال صحت أخبار اغتيال وتقطيع جثة الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي، في حادثة وحشية ظن العالم أنه قد تجاوزها في العام 2018، وجعلت السعودية في مواجهة مباشرة مع مجتمع الصحفيين والحقوقيين والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني في كل أنحاء العالم.
ضف لهذه الأمثلة الثلاثة، أخرى كثيرة سبقتها وضعت السعودية على افتراق مع ألمانيا والسويد وإسبانيا والاتحاد الأوروبي على خلفيات انتهاكات وقمعها للنشطاء وأصحاب الرأي داخل المملكة، الأمر الذي دفع إلى مطالبات وضغط الرأي العام الأوروبي لحظر صفقات التسليح التي تقوم بها الدول الأوروبية مع الحكومة السعودية كأحد تجليات هذا الافتراق بين السعودية ودول العالم المؤثرة.
تصر السعودية في سياستها الداخلية والخارجية على الضرب بعرض الحائط بكل منظومة حقوق الإنسان والانتقادات التي توجهها لها المستويات الدولية الرسمية منها وغير الرسمية، وتفضل حسم ملفاتها وتحالفاتها عبر «دبلوماسية الشيكات» مع مراكز القرار الدولي، وتحديدًا واشنطن ولندن التي ترسم علاقتها مع السعودية إغراءات بورصة الصفقات العسكرية والعقود التجارية والمزايا الاستثمارية مع السعودية.
لكن هذه الدول المحورية لتحالفات النظام السعودي بدأت تشعر كثيرًا بعبء علاقتها مع نظام يحرجها دائما أمام الرأي العام داخل بلدانها وأمام الرأي العام العالمي الذي أصبح يحمل هذه البلدان مسؤولية دعم واحد من أكثر أنظمة العالم قمعًا وسلطوية بحسب التوصيفات التي تعطيها هذه الجهات للسعودية.
تعامل عواصم القرار الغربي مع السعودية والذي ظل رهن الملاءة والتدفقات المالية الكبيرة من عقود النفط والتسليح، لن يبقى على ما هو عليه مع نهاية العقد القادم، وهو الوقت الذي حدده الاتحاد الأوروبي ودول أخرى كثيرة موعدًا لتخفيض الاعتماد على الوقود العضوي إلى أدنى مستوياته ومنع السيارات التي تعمل على البترول، بالتوازي مع استراتيجية ضخ استمثارات هائلة في وسائل الطاقة البديلة.
وهو ما يعني بشكل أو بآخر أنه خلال عشر سنوات قادمة ستقل حاجة العالم المتقدم للنفط، وسنصل إلى مرحلة ينسجم فيها الرأي العام الغربي مع توجهات حكوماتها، وبالتالي رفع الغطاء عن الحكومات التي تعتمد النفط وصفقات الأسلحة كأداة حاسمة في سياستها الخارجية. وأكبر ضحايا هذا التوجه القادم ستكون بلا شك السعودية باعتبارها بلد قائم بالأساس على تحالفات دولية، دونها ينهار النظام تلقائيًا من الداخل وتتعاظم مشاكله إقليميًا مع تراجع مستوى الغطاء الدولي لحكومتها.

سيناريوهات المستقبل القريب

إزاء هذه الصورة القاتمة التي تلازم السعودية دوليًا، ومع الحفرة السحيقة الأخيرة التي هوت فيها السعودية بعد حادثة خاشقجي! يبقى السؤال المطروح عن قدرة النظام السعودي على الصمود في مواجهة هذه الإعصارات والسمعة المتدهورة دوليا.
أمام هذه التراكمات والتداعيات نحن إزاء سيناريوهين للعائلة الحاكمة السعودية:
الأول: إما الإبقاء على محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية منذ 3 سنوات والمسؤول المباشر عن وصول السعودية إلى هذا المأزق، وهنا ستجد السعودية نفسها مقيدة ومحدودة المناورة وفي شبه عزلة لن تقتصر آثارها فقط على حنق الرأي العام الغربي على السعودية، وإنما ستتراكم مفاعيلها حد وصولها إلى مقاطعة مراكز الأبحاث وشركات العلاقات العامة والمستثمرين وصولًا إلى صرامة أكبر في التعامل مع السعودية من قبل الفاعليات السياسية والحكومات الغربية. وهو أمر لا تقوى عليه السعودية التي لا تستطيع التعامل مع ملفاتها الداخلية والإقليمية من دون قدر معقول من الغطاء الدولي لسياساتها، إلا في حالة واحدة فقط وهي إفراغ السعودية لخزائنها كاملة هذه المرة باتجاه الولايات المتحدة وعواصم القرار الدولي.
والسيناريو الثاني، تنامي ضغط العائلة السعودية على الملك سلمان، للقبول بتغيير ابنه محمد بأحد من أبنائه أو من العائلة ممن لم يتورطوا في قضية خاشقجي، وهو ما يعني عمليًا، انتهاء كل البهرجة التي بشرت بعهد جديد وانتهاء مشروع رؤية 2030، والعودة للتفكير ببناء أفق سياسي واقتصادي جديد يحدث قطيعة تامة مع كل «إرث» محمد بن سلمان الذي لعبت حليفته أبوظبي دورُا فاعلُا في توجيه مساراته.
مع كل هذه السيناريوهات، تبدو السعودية كنظام وعائلة حاكمة في ورطة كبرى، وما قبل دم خاشقجي بالتأكيد لن يكون كما بعده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد