إننا لا نعادي المخالفين لنا لأنهم ضد الفضيلة أو ضد الإيمان والحق، ولكن لأنهم ضدنا. عبد الله القصيمي

 

قليلةُ هي أحرف تلك المقولة والتي تحسب لأكثر المفكرين السعوديين إثارة للجدل، ولكن كم من معنى وكم من دلالة بها تنعكس على الشأن المصري الداخلي والذي يتمثل في قطبي الصراع على السلطة الإخوان والمؤسسة العسكرية.

شعارات متشابهة تكاد لا يخلو منها جدار واحد من جدران القاهرة، تلك العاصمة المليونية، تزدحم جدرانها وحوائطها بشعارات تدعو لإسقاط الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، وسط حالة من لا مبالاة المارة إزاء تلك الكلمات وما تحتويه من تحريضات.

 

من يدعو لإسقاط السيسي؟

 

سنحاول أن نناقش حقيقة المطالبة برحيل السيسي نوعًا ما بموضوعية. ولكن يجب علينا أن نعلم أولًا من يدعو لرحيل السيسي عن كرسي الرئاسة.

بدأ الصراع على السلطة منذ تنحي الرئيس الأسبق مبارك، إثر ثورة شعبية شاركت فيها جميع طوائف الشعب المصري، بجانب دعم مطالبها من قبل الجيش المصري. وقد رأت جماعة الإخوان المسلمين حينها بأن الفرصة قد حانت؛ لتوليهم مقاليد حكم الدولة المصرية، وهم الأهم والأكثر تنظيمًا بل وتأثيرًا على الساحه السياسية.

وباختصار دون الدخول في العديد من تفاصيل الأحداث، انتقل الحكم من المجلس العسكري، وهو من تولى شؤون البلاد عقب تنحي مبارك إلى محمد مرسي، أول رئيس مدني مُنتخب ذي مرجعية إسلامية وهو المحسوب على تيار الإخوان المسلمين.

ولكن عقب الفشل الذي شهدته الدولة المصرية في عهده، بل وتراجع دورها خارجيًا بجانب انعدام الأمن والاستقرار في عهده، بجانب استمرار الحراك الداعي إلى اعترافه بفشله وتنحيه وهو ما أدى في النهاية إلى انتفاضة 30 يونيو، وتدخل الجيش لحسم الصراع السياسي مع بداية انزلاق البلاد لدوامة الحرب الأهلية.

 

وعقب عزل محمد مرسي لجأت جماعة الإخوان المسلمين إلى حلول عقيمة كنوع من أنواع الضغط للعودة إلى نقطة البداية، وهو ما أدى إلى انقسام التيار الإسلامي نفسه بين مؤيد ومعارض لعزل مرسي، بل ودعوة البعض للتصالح مع الشعب عقب حالة التقوقع والغرور التي أصابت التيار عقب فوزهم في خمس استحقاقات انتخابية متتالية.

وفي ظل استمرار حالة التقوقع والانعزال عن الشارع والتي أُصيبت بها جماعة الإخوان، استطاع السيسي أن يستثمر بذكاء في جميع أخطاء الإخوان بل ما يمكن وصفه أحيانًا “بالخطايا”، وذلك منذ توليهم الرئاسة وحتى عزلهم بل وحظرهم.

فالرجل استطاع انتزاع تأييد الشارع المصري من الإخوان وباقي التيارات المحسوبة على الثورة، بجانب حصوله على رتبة “مشير” دون معارضة، وانتزاع كرسي الرئاسة بنتيجة 96.6% دون وجود منافسة تذكر على الرغم من دخول حمدين صباحي السباق الرئاسي.

 

 

آخر أرقام نتيحة الانتخابات الرئاسية الإجمالية النهائية هي:

عبد الفتاح السيسي: 24,143,447 صوت بنسبة 9606 %.

حمدين صباحي: 844,915 صوت بنسبة 3.4%.

وبدلًا من أن تتعامل جماعة الإخوان مع الأمر الواقع الجديد منذ عزلهم وحتى تولي عبد الفتاح السيسي كرسي الرئاسة، استمرت في ارتكاب المزيد من الحماقات حتى صارت تفقد باستمرار شعبيتها في الشارع المصري لصالحه.

 

“هل من الممكن أن يسقط مثل من سبقوه، مبارك ومرسي مثلًا؟”

الإجابة على هذا السؤال، تعتمد على معيارين أساسيين لا يمكن تجاهلهما، ألا وهما:

أولًا: سقف مطالب المعارضة ودرجة اندماجها مع الرئيس وما يمثل من نظام عام للدولة.

ثانيًا: الرضا أو السخط الشعبي.

ودون الخوض في مزيد من الأحداث والتفاصيل، سنكتفي بملاحظة الأحداث المرافقة لتولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة.

تنقسم المعارضة الموجودة حاليًا في مصر إلى قسمين:

معارضة حزبية لا تحظى بتأييد شعبي قوي، بل ليس لها تواجد على الأرض يُذكر وتتكون من مجموعة من الأحزاب الليبرالية واليسارية والناصرية بجانب حزب النور السلفي. وأقصى ما تطمح إليه هو الوصول إلى البرلمان، والذي تم تأجيل موعد إجراء الانتخابات الخاصة به.

والنوع الثاني هو ما يُسمى بتحالف دعم الشرعية ممثلًا في كبرى التيارات والأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي والتي تدعم عودة مرسي إلى كرسي الرئاسة.

ولكن مع الوضع تبقى مطالب هذا التحالف أشبه بمحاولة الاستيقاظ من كابوس نوم طويل، فالشعبية الموجودة على الأرض تكاد تكون باكتساح للسيسي بجانب الدعم الإعلامي والدعم الكامل من مؤسسات الدولة.

 

ولعله مؤخرًا انخفض سقف أهداف الإخوان في مصر إلى محاولة التلاعب بكامل أوراق الضغط في محاولة لتحسين شروط عودتهم للحياة السياسية، على الرغم من أن انعزالهم عن الشارع أفقدهم التأييد الشعبي المطلوب لعودتهم حتى في ظل انحسار دورهم بعد حظرهم كجماعة إرهابية.

 

وبجانب الإخوان نجد بعض الحركات اليسارية مثل الاشتراكيين الثوريين وحركة 6 أبريل الليبرالية، وهي ذات توجهات غير واضحة بجانب فقدانها للتأييد الشعبي أو ما يمكن تسميته ورقة ضغط الشارع.

 

وبذلك نجد من الصعب وجود حتى صوت من الممكن أن يمتلك حق المطالبة بتنحي السيسي في ظل شعبيته، وفقدان خصومه ما يؤهلهم حتى لإعلان معارضتهم له.

 

لكن ما الذي يدعم بقاء السيسي؟

 

من المثير للسخرية، وصف العديد من خصوم السيسي له بالسطحية أو حتى بأنه مجرد شخص انتزع السلطة بالقوة، ولكن من يتابع بدقة تحركاته سيعي جيدًا أن السيسي ليس بالرجل السهل التنبؤ به.

فمن الغريب أن تتصادف جميع توقيتات الإفصاح عن تغيرات سياسية أو حتى مشاريع قومية مع توقيت خاص بالقوات المسلحة المصرية. فعلى سبيل المثال يتصادف 30 يونيو التي كان اختيار توقيتها أيضًا هي الأخرى يصادف الذكرى 43 لإقامة حائط الصواريخ المصري، والذي كان سببًا في انطلاق مصر نحو انتصار أكتوبر، ويوافق عيد قوات الدفاع الجوي؛ حيث استطاعت فيه كتائب الصواريخ الجديدة التصدي للطيران الإسرائيلي وإعلان التحول الجديد في التوزان العسكري بين مصر وإسرائيل, وفي هذا التاريخ من كل عام تحتفل مصر والقوات المسلحة بعيد قوات الدفاع الجوي. وهو نفس اليوم الذي كان بداية تدخل الجيش لحسم الصراع السياسي في البلاد بجانب توقيتات أخرى كثيرة، لا تدل إلا على رجل مخابرات يستطيع التلاعب بكافة الأوراق المتاحة واستثمارها لصالحه.

ومن أبرز عناصر الدعم لاحتفاظ السيسي بالرئاسة:

 

الإعلان عن المشاريع القومية العملاقة

 

أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في أغسطس 2014 عن بدء مشروع حفر قناة السويس الجديدة، بالإضافة إلى تنمية المناطق التي حولها، الذي من شأنه مضاعفة قدرة قناة السويس من 49 سفينة حاليًا إلى 97 سفينة، بالإضافة إلى زيادة الإيرادات بنسبة 259٪, ومن المتوقع أن تصل عائداته إلى 100 مليار دولار سنويًا, ومن المتوقع الانتهاء منه خلال عام واحد فقط, من ضمن المشروع تنفيذ 7 أنفاق أسفل قناة السويس منها 4 أنفاق بمنطقة الإسماعيلية، و3 أنفاق ببورسعيد.

 

أصدر السيسي مشروعًا للطرق أطلق عليه المشروع القومي للطرق يتكون من شبكة للطرق طولها أكثر من 4400 كيلومتر. كذلك أعلن عن مشروع طموح لزراعة 4 ملايين فدان ينقسم إلى ثلاثة مراحل الأولى والثانية تضمان مليوني فدان، بينما تضم الثالثة مليونين آخرين بعدد من المناطق مثل سيناء والساحل الشمالي والصحراء الغربية والوادي الجديد وشرق العوينات وتوشكى وحلايب وشلاتين وبعض مناطق صعيد مصر، بجانب تخصيص مساحات لأهالي النوبة.

 

في مجال الإسكان صدق عبد الفتاح السيسي على إقامة مدينة الإسماعيلية الجديدة.

 

كما بدأ بتنفيذ المشروع القومي لإقامة المناطق اللوجستية في مدينة دمياط؛ لتحويل مصر إلى مركز عالمي لتداول وتخزين الحبوب، على أن يتم الانتهاء منه خلال عامين.

 

 

المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ

 

مع اختتام آخر أيام أعمال مؤتمر دعم الاقتصاد المصري، أعلنت الحكومة المصرية أن حصيلة الاستثمارات والقروض التي حصلت عليها بلغت 60 مليار دولار فضلًا عن تعهدات بدعم خليجي قدره 12.5 مليار دولار.

وأوضح رئيس الوزراء إبراهيم محلب في كلمة بختام المؤتمر أن هذه الحصيلة النهائية تتألف من اتفاقات وعقود وقعت بقيمة 36.2 مليار دولار، ومشروعات ممولة من القطاع الخاص على سنوات طويلة بقيمة 18.6 مليار دولار، وقروض من الصناديق والمؤسسات الدولية قيمة 5.2 مليارات دولار.

وتنوعت حصيلة المؤتمر، الذي استمر ثلاثة أيام، بين قطاعات اقتصادية متعددة على رأسها قطاع الطاقة، وجاء قسم كبير منها في شكل مذكرات تفاهم مبدئية.

ورغم دعوات التشكيك في مدى جدواه، بل ووصف بعض الخبراء له بالفاشل رغم تصريحات الحكومة المصرية، إلا أنه استطاع نيل تأييد شعبي كبير بجانب الحصول على الدعم الدولي، وإرسال رسالة إلى العالم والمستثمر الأجنبي بأن مصر عادت بعد ثلاث سنوات من التخبط.

وكالعادة استطاع السيسي الاستثمار في أخطاء معارضيه وفي محاولة بعضهم إفشال المؤتمر عن طريق العمليات التي تهدف إلى إخلال الأمن واستهداف البنيه التحتية، وهو ما أدى إلى شعور رجل الشارع بأنهم ليسوا أعداءً للسيسي بل أعداء لاستقرار وعودة الوطن إلى صوابه!

وهو ما يعني نهاية دعم الشارع لدور المعارضين في مقابل دعم السيسي.

 

عودة الأمن المفقود من ثلاث سنوات

 

لعل الكثير من النشطاء والسياسين ينسون أو يتناسون على أقل تقدير، بدء تحول المواطن البسيط لحالة السخط على الربيع العربي، نتيجة ما افقتده من إحساسه بالاستقرار وبالأمان. واستطاع السيسي إرجاع ما يمكن تسميته “بهيبة الدولة” بعد غياب طويل منذ اندلاع أحداث ثورة يناير.

 

مع الدعم الإعلامي والتواجد الأمني أصبح المواطن يغفر العديد من تجاوزات الشرطة في ظل امتصاص السيسي لتلك التجاوزات بإجراء تحقيقات فيها، والنأي بالنفس عنها حتى وإن كان بإقالة وزير الداخلية محمد إبراهيم بعد قائمة من الأخطاء بحركة هادئة وصفها المراقبون بالمفاجأة.

سيطرة مبدأ المصلحة وليس التأثر بالأهواء

 

لعل التسريبات الأخيرة، وإن كانت في دولة أخرى كان بإمكانها إسقاط نظام كامل والتي لم يكن لها مفعول يذكر في مصر، لا تعكس سوى شيئين:

 

أولا: يسيطر على تفكير السيسي مبدأ المنفعة وليس مجرد الأهواء، فجميع التحركات خارجيًا أو داخليًا يجب أن يكون لها مردود إيجابيي بل ومثمر على المدى القصير. فالتحالف مع الخليج؛ للحصول على الدعم المالي اللازم لاستمرار الدولة والانخراط في حملة الحزم الأخيرة على اليمن من أجل الدفاع عن مصالح الخليج حلفائه، والحفاظ على مضيق باب المندب من السيطرة الإيرانية.

كل ذلك بخلاف الوقوع في الأهواء مثل عبد الناصر، والانخراط في حرب اليمن دون أن يكون لمصر ناقة أو جمل.

 

إحساس المواطن بمبدأ مصر طويلة الذراع خارجيًا

 

لم تدخل مصر في شأن خارجي عسكري بعيدًا عن حروبها مع إسرائيل، سوى في حرب اليمن في الستينات وحرب الخليج الثانية.

ولكن مؤخرًا مع تدخل السيسي عسكريًا في قصفه لمواقع تابعة لداعش في ليبيا، بعد استهداف التنظيم لأقباط مصريين، بجانب إعلان مصر تدخلها عسكريًا وسياسيًا في دعم التحالف الخليجي في مواجهة الحوثيين.

 

وذلك يدعم رأي مؤيديه بكونه الرجل العسكري المطلوب بخلاف الرئيس المصري الأسبق مرسي والذي أسقط فكرة الدولة، بطلبه إرسال مجاهدين إلى سوريا لمقاتلة النظام السوري دون أدنى اعتبارات لفكرة الدولة، أو ما قد تكسبه مصر بذلك الطلب.

كل ذلك يدعم شعور المصريين بقوة الدولة ويعزز من ثقتهم في الدولة والجيش، ما يعني مزيدًا من الدعم للسيسي في مقابل مزيد من انهزام الإخوان في الشارع ومزيد من عزلتهم.

 

الدعم المؤسساتي الكامل له

 

يحظى السيسي بدعم مؤسسات الدولة الكامل له، وهو ما يوفر تكاملًا كبيرًا في أركان الدولة، وما تزال ذكرى اصطدام مرسي بكافة مؤسسات الدولة ماثلة أمام أعين المواطن البسيط الذي كان ضحيتها.

الدعم والتعاون الخارجي


 

 

بدعم خليجي استطاعت العلاقات المصرية الأمريكية أن تتحسن نوعًا ما، ورغم ذلك عمل السيسي على التنويع بل وبالجمع بين قطبي القوة العالمية روسيا والولايات المتحدة. فمن يستطيع أن ينسى الاستقبال الحافل الذي حظي به بوتين في القاهرة في ظل انعزاله دوليًا بسبب الأزمة الأوكرانية، بجانب الدعم الصيني والذي أعقب زيارة السيسي لبكين.

 

زعيم جديد

يحن المصريون دائمًا لذكرى عبد الناصر كزعيم للأمة العربية، وتبقى الفكرة المسيطرة دائمًا فكرة الزعيم.

ولذلك يتشبه كثيرًا السيسي بالزعيم عبد الناصر، وإن كان يجيد أحيانًا هذا الدور، بجانب ظهوره الدائم كشخص يشعر بالأسى لما يعاني منه المصريون في حياتهم اليومية من مشاكل، وهو ما جعله قريبًا جدًا من فكرة “الزعيم السيسي”، لكن حاليًا لا يكترث المواطن المصري البسيط بتلك الكلمات مثل ثورة أو حتى انقلاب، ولا يعنيه في حقيقة الأمر المصالحة مع الإخوان أو حتى مع تركيا أو قطر بل كل ما يعنيه هو شعوره بالاستقرار من جديد مهما كلفه الأمر.

 

 

وفي النهاية يبقى المواطن البسيط خير مقياس لشعبية أي تيار أورئيس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد