يبدو المشهد في المنطقة ملبدًا بالغيوم، فالعراق المضطرب الممزق منذ سقوط صدام شكلت فيه الغالبية الشيعية بدعم من إيران حكومة ديمقراطية المظهر قمعية فاسدة في أدائها، وفي الشمال يبدو الأكراد وقد أسسوا دولتهم المستقلة، فهم فعليا يديرون الإقليم بشكل كامل ولا سلطة للحكومة المركزية عليهم إلا اسميًّا، و بقي في الوسط السنة المهمشون في الدولة الجديدة فريسة لسخط عارم تبلور في دعم شعبي للإسلاميين ليصعد تنظيم داعش، متحالفًا مع مئات الضباط البعثيين الذين جرى تسريحهم من المؤسسات الأمنية، لينتهي مستوليًا على الموصل ثالث أكبر المدن العراقية.

التنظيم وجد بيئته الخصبة في الحرب الأهلية السورية، بين النظام من ناحية مدعومًا بميليشيات حزب الله اللبنانية والحرس الثوري الإيراني ومؤخرًا بالتدخل الروسي، وعلى الناحية الأخرى المعارضة المدعومة من دول الخليج وتركيا، وبشكل أقل من الغرب المؤيد لرحيل الأسد، ونجح التنظيم في مواجهة النظام والمعارضة عبر استقطاب آلاف المناصرين من أنحاء العالم مكونا خلافة عاصمتها الرقة.

في هذه البقعة المشتعلة جاء إسقاط تركيا للطائرة الروسية بزعم اختراقها المجال الجوي، ومقتل طيارها، ليكون بمثابة إلقاء عود ثقاب على بارود المنطقة، فتدمير القاذفة سوخوي 24 على يد الـF16  أصاب بشدة الكرامة الروسية، وسبب إحراجًا شعبيًا لبوتين الذي لم يجد بعد مبررًا مقنعًا للتدخل في سوريا.

وسيكون على روسيا استعادة هيبتها الجريحة عبر رد قوي ضد تركيا، وهو ما قد يؤدي إلى تدخل الناتو، لكن هذا السيناريو يبدو خياليًا خاصة إذا تأملنا وضع روسيا من جهة، ووضع تركيا ومن ورائها أمريكا وحلف الناتو من جهة أخرى.

تقارب القوة العسكرية لروسيا القوة العسكرية الأمريكية، مع تفوق تكنولوجي للأمريكيين، لكن الولايات المتحدة تمتلك حوالي 800 قاعدة عسكرية تغطي أنحاء العالم، في حين تكتفي روسيا بثمانية قواعد كلها في مناطق ملاصقة لها في دول الاتحاد السوفيتي السابق وقاعدة وحيدة في طرسوس السورية؛ ولهذا يمكننا تفهم الاستماتة الروسية في الحفاظ عليها.

وقد ثار الحديث منذ وقت قريب عن قواعد عسكرية تنوي روسيا إنشاءها في أمريكا اللاتينية، لكن وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” أكد أن روسيا لا تحتاج قواعد، وأنها مجرد “نقاط للتأمين التقني لتزويد السفن الروسية بالوقود، والاستراحة، والقيام بالتصليحات اللازمة”.

تركيا ليست جورجيا ولا أوكرانيا، فروسيا استطاعت اجتياح جورجيا بسهولة عام 2008؛ نظرًا لصغر حجمها وسكانها، ووقوعها إلى جوار روسيا مباشرة، كما استفادت روسيا وقتها من وجود الانفصاليين في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، والقواعد الروسية الموجودة هناك مسبقًا. وهي ذات العوامل تقريبًا التي مكنت روسيا في 2014 من ضم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، حيث استفادت من الروس الذين تبلغ نسبتهم قرابة 60% لتستطيع ضم القرم عبر استفتاء شعبي.

أما تركيا فهي بلا حدود مباشرة مع روسيا، ولا وجود فيها لأقليات روسية يمكن استغلالها، كما أن الجيش التركي أقوى بكثير من نظيريه الجورجي والأوكراني، إضافة إلى أنها عضو في حلف الناتو الذي ستتجنب روسيا خوض مواجهة معه.

وقد سارع الرئيس الأمريكي إلى دعم تركيا عبر إعلان أن من حقها حماية مجالها الجوي، مع دعوته لتهدئة الأجواء، كما أعلن الناتو على لسان أمينه العام الجنرال جينز ستولتينبيرج عن تضامن الحلف مع تركيا، وهو ما يشكل ردعًا إضافيًّا للروس.

القوة العسكرية والاقتصادية التي يمكن أن تقوي كفة الجانب الروسي هي الصين، لكنها واضحة تمامًا في سياستها؛ لا مواجهات عسكرية أبدًا، الأولوية الدائمة والواضحة للصينيين طوال الوقت هي الاقتصاد، وفي سبيله تتعاون الصين مع الجميع متخطية الخلافات والعوائق السياسية، وهي وإن كانت تعارض الثورة وتميل إلى دعم الأسد، فإن هذا الدعم سيبقى في حدود الأدوار السياسية.

السبب الإضافي وربما الأهم لعجز روسيا عن الرد هو الاقتصاد؛ فالوضع الاقتصادي لروسيا “صعب للغاية” بتعبير رئيس الوزراء ديميتري ميدفيديف؛ بسبب الانخفاض الحاد في أسعار النفط الذي تمثل عائداته نصف الميزانية الروسية، والعقوبات المفروضة عليها من أمريكا وحلفائها الأوروبيين بعد تدخلها في أوكرانيا وضم القرم، وهو ما أدى إلى انخفاض قيمة الروبل أمام الدولار.

وتشكل الحملة على سوريا عبئًا ثقيلا على الميزانية الروسية المتدهورة، فبحسب تقديرات غربية تنفق موسكو ما بين 500 ألف إلى مليوني دولار يوميًّا في حملتها على سوريا، وهي تقديرات مبالغ فيها في رأي الاقتصاديين الروس، لكن في جميع الأحوال تبقى الحملة مكلفة.

وتعتبر تركيا أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لروسيا، إذ تحتل المركز الخامس بعد الصين وألمانيا وهولندا وإيطاليا، وهي ممر أساسي للوقود الروسي المصدر إلى أوروبا، ورفضت تركيا المشاركة في العقوبات ضد روسيا، وهو ما زاد علاقاتهما الاقتصادية قوة ونموًا. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين العام الماضي نحو 33 مليار دولار، ولديهما خطة لزيادة المبلغ إلى ثلاثة أضعاف ليصبح 100 مليار دولار بحلول عام 2020.

لكل هذه الأسباب يصبح من المؤكد أن روسيا لن تفعل شيئًا كبيرًا للرد على تركيا، بل على العكس بدا خطاب الرئيس الروسي مرتبكًا وتائهًا وتحدث عن “طعنة في الظهر” وكرر اتهامات قديمة لأنقرة بدعم الإرهاب، وكان رد الفعل هو الإعلان عن قطع العلاقات العسكرية مع تركيا، وتحذير المواطنين من السفر إليها، وهي خطوة قد تزعج تركيا، لكن من المستبعد أن تمضي روسيا قدمًا في هذا الطريق.

الإجراءات الروسية ستتوقف عند تعزيز التواجد العسكري في سوريا وسواحل المتوسط، وتشديد القصف على الفصائل الموالية لتركيا وبالذات في مناطق التركمان، وربما يتطور الأمر إلى دعم روسي أوسع للأكراد، لكن روسيا لن تجازف بعمل عسكري يستفز الناتو، ولن تعاقب تركيا حتى بإجراءات اقتصادية؛ لأنها ستضر أكثر مما قد تضر أنقرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد