في الوقت الذي مزق فيه العالم الأول صفحة الانقلابات العسكرية السوداء، ما زلنا نحن في الجانب الآخر من العالم نعيش في ظل حكم عسكري قائم أو كابوس حدوث انقلاب كما هو الحال عندنا في السودان، فبعد أن عشنا ثلاث حقبات حكم عسكرية مختلفة في المدة وفي أسباب الحدوث والاستمرار، وبعد نجاح ثورة ديسمبر في إسقاط نظام البشير، لم يفارقنا كابوس حكم عسكري رابع.

الحكم العسكري الأول، عام 1958، كان بأمر رئيس الوزراء المنتخب من برلمان الشعب عبدالله خليل الذي سلم الدولة للفريق إبراهيم عبود وحكم سبعة سنوات، ثم قامت أول ثورة ناجحة عرفها الوطن العربي في تاريخه الحديث ضد حكم عسكري، كتبت تلك الثورة نهاية حكم عبود ومن ثم فترة انتقالية لمدة عام أتت بعدها حكومة منتخبة لم تدم أكثر من عام، حتى أطاح بهذه الديمقراطية انقلاب النميري الذي حكم البلاد 16 عامًا بيد من حديد حتى ثورة (مارس – أبريل)، التي كتبت نهاية أسوأ حكم استبدادي عرفه السودان منذ الاستقلال إلى الآن، وبعد فترة انتقالية مدتها سنة سلّم المشير سوار الذهب السلطة للديمقراطية الثالثة بالسودان، والتي لم تدم طويلًا حتى صفعتها يد الحكم العسكري الثالث بقيادة عمر البشير وتخطيط من الحركة الإسلامية، ويعد الأطول في تاريخ السودان، قبل أن تسقطه تظاهرات ديسمبر 2018.

العجيب أن تاريخ السودان وكأنه يتكرر بين حكومة مدنية منتخبة وانقلاب عسكري بتدبير مدنيين ثم فترة انتقالية فانقلاب وهكذا تستمر الحلقة التكرارية. والآن، نحن في فترة انتقالية ثالثة بمشاركة عسكرية مدنية مليئة بالاضطرابات وعدم التجانس بين مكوناتها، وسأحاول أن أعرض في هذا المقال الأسباب التي قد تؤدي إلى حدوث انقلاب عسكري:

أولًا: الثقافة والعقيدة التي اكتسبها ضباط الجيش طيلة السنوات الماضية؛ وهي أن الجيش هو الحاكم، وهذه الثقافة نابعة من روح الفروسية والشجاعة والمغامرة وغريزة السيطرة وأحادية اتخاذ القرار، التي تربت بها المؤسسة العسكرية وطلاب الكلية الحربية عندنا يقسمون على الانقلاب حتى قبل أن ينالوا الرتبة الأولى في الجيش.

ثانيًا: الضعف وعدم الاتساق في المكون المدني (الحرية والتغيير)؛ فنجد الحزب الشيوعي مع حزب الأمة (الطائفي) والأحزاب الناصرية والبعثية العروبية مع حركات جهوية مناطقية. هذا التباين الكبير في الأيديولوجيا جعلت الخلافات بين هذه المكونات وصلت إلى السباب والمطاعنة والشتائم، تتداولها الوسائط ولا يكاد يوم يمر من دون هذه المخاشنات بين مكونات قوى الحرية والتغيير.

ثالثًا: عدم الالتزام بالوثيقة الدستورية. وللأسف الوثيقة التي تعاهد ووقع عليها المكونين العسكري والمدني تم خرقها لحظة تنزيلها على أرض الواقع بتعيين رئيس القضاء وتعيين وزراء بما يشبه المحاصصة السياسية بعيدًا عن التكنوقراط، وعدم تعيين المجلس التشريعي والولاة المدنيين إلى اللحظة، وكذلك إضافة وزراء دولة، إضافة إلى تعدي الصلاحيات من المجلس السيادي مثلًا قيام الفريق البرهان بلقاء نتياهو، ولقاء نائبه حميدتي مع وزير خارجية إرتريا وهذه من صميم مهام مجلس الوزراء، فعدم الالتزام بالوثيقة من قبل موقعيها أنفسهم بالتراضي لهو أمر يدعو للقلق.

رابعًا: السلام المتعسر. العجيب أن معظم الحركات المسلحة التي رفعت السلاح في حكومة البشير موقعة ضمن ميثاق الحرية والتغيير وغير موقعة على الوثيقة الدستورية وغير معترفة بها، وأظهر ملف السلام مدى هشاشة الوثيقة الدستورية بتحديد مدة تحقيق السلام بفترة لا تتجاوز الستة أشهر، التي كادت تنقضي ولم يتم شيء يذكر إلا التوقيع على المبادئ العامة مع حركة عقار، وما يدل على كمية التعقيد والتعسر في هذا الملف هو طلب السيد حمدوك، رئيس الحكومة، من الأمم المتحدة التدخل تحت ظل البند السادس.

خامسًا: الضائقة المعيشية، لا تخفى الأزمات التي يعيشها المواطن السوداني وشح أساسيات الحياة في الولايات، بل حتى في العاصمة الخرطوم، فبالكاد تحصل على خبز بعد طابور طويل إضافة إلى طوابير الوقود وأزمة في المواصلات وهبوط الجنية مقابل الدولار والارتفاع في الأسعار وقلة الأجور، هذه الأسباب أدت إلى اندلاع بعض الاحتجاجات الصغيرة هنا وهناك مطالبة بالخبز والوقود والحياة الكريمة.

سادسًا: بداية فقدان الثقة في تجمع المهنيين، ومعروف لكل متابع أن الكيان الذي وقف حاجزًا وسدًا منيعًا ضد الهيمنة الكاملة للعسكر هو تجمع المهنيين، الذي كان بمنشور قصير منه يستطيع تحريك الملايين من السودانيين، لكن الواضح من صفحة التجمع على الفيسبوك ازدياد نسبة السخط بصورة ملحوظة جدًا لأنه محسوب ضمن قوى الحرية والتغيير، الحاكم الفعلي للبلاد بمشاركة العسكر، والأهم من هذا تراجع المشاركين في دعوات تجمع المهنيين من الملايين إلى ما لا يزيد عن 5 آلاف في آخر مليونية (استكمال هياكل الحكم الانتقالي)، وكذلك الخلافات بين هذا الكيان ولجان المقاومة التي صار بعضها يصدر بيانات معارضة لدعوات التجمع في التظاهر، بيان لجان أحياء بري نموذجًا.

سابعًا: خوف العسكر من المحاسبة. فض اعتصام القيادة العامة الكارثي الذي استيقظ عليه الشعب السوداني في أواخر رمضان، وما حصل فيها من انتهاكات من قتل وتنكيل وتعذيب وإلقاء الجثث في النيل وحالات الاغتصاب الموثقة (حسب ما صرح به قيادي بتجمع المهنيين) واعتراف المجلس العسكري نفسه أنه من قام بفض الاعتصام وتورط قوات الدعم السريع؛ كلها أسباب قد يوسوس بها شيطان الانقلابات للعسكر بضرورة وحتمية الانقلاب.

ثامنًا: هيمنة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد. بلغ الإنفاق على المؤسسة العسكرية نسبة تصل إلى 80 بالمئة من إجمالي موازنة الدولة، وتتبعه الشركات المسيطرة على العمل في السودان، التي لا يمكن منافسها وتعمل في معظم المجالات (الطرق – الجسور – التعدين – الوقود – الثورة الحيوانية … إلخ)، وأخيرًا استحواذ شركة تابعة للجيش على أكثر من 60 بالمئة من شركة «سين» للغلال، المسيطرة على القمح في السودان، مما يعني سيطرة الجيش حتى على الخبز.

تاسعًا: الدول الإقليمية المعادية للربيع العربية. مجرد أن تنجح ثورة فهذا كابوس بالنسبة لدول إقليمية دفعت المليارات لأجل إفساد الربيع العربي، ولا ترغب في أي نموذج ناجح مهما كان بأي بلد كان، وواضح جدًا بصماتها في اختلاق الأزمات وتأجيج الفتن والصراعات ودعم العسكر من أجل إجهاض التحول الديمقراطي بالسودان.

عاشرًا: الدولة العميقية. لم يدع النظام السابق مصلحة أو مؤسسة في الدولة إلا وسيطر عليها سيطرة كاملة، وواضح جدًا عرقلة كل قرار يصدر، ومعظم أتباع النظام السابق يفضلون حكم العسكر على أي تحول ديمقراطي وحكم عادل يؤدي إلى محاسبتهم على فساد عشرات السنين، لذا فمساندو النظام السابق هم عمود أساسي في عرقلة عملية التحول الديمقراطي بالسوداني.

حاولت أن أسلط الضوء على واقع مجرد، وأرجو أن ينجح السودان في العبور من هذه المرحلة الحرجة بأقل الخسائر، بلا حروب وإقصاء، وأن نصل إلى دولة الحقوق الكاملة بلا نقصان، وأن ننال الحريات وننعم بانتقال سلمي للسلطة، ولا بد من الشفافية والإشارة إلى موضع الخلل والعطب حتى لا نكرر أخطاءنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد