مع تطور وسائل الاتصالات وأدوات التواصل الاجتماعي عبر شبكة الإنترنت، تتنامى معها وتطَّرد كذلك أساليب المقاومة والثورة التي تستغلها الجماهير ضد النظم الاستبدادية والقمعية التي تتخذ من الإسلام والمسلمين عدوًّا لها قولًا واحدًا.

ولا ننسى أن ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 بمصر جاءت بناء على دعوة من صفحة كلنا خالد سعيد، وهي إحدى صفحات موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، ثم انفجر الحراك الشعبي بعدها وصعد المنحنى الثوري البياني من النقطة صفر إلى أعلاه، ثم بعد موجة عاتية من الثورة المضادة رجعنا مرة أخرى إلى ما تحت الصفر.

•ما بين نظام مبارك ونظام الجنرال

عادت الأمور في مصر إلى أسوأ مما كانت عليه في عهد مبارك، فحدث ولا حرج عن قتل داخل وخارج إطار القانون، واعتقالات وتشريد وتهجير عائلات، وانبطاح للخارج لم يسبق له مثيل، وتعاون وتنسيق أمني مع الصهاينة نتج منه سلام أذلي دافئ لم تعهده العرب من ذي قبل، بل طالت يد النظام الحاكم حتى صفى من داعميه من الوجوه العلمانية والشيوعية عبر المنع من الظهور في الشاشات، وتكميم أفواه البعض، وخذ من هذا الكثير، لذلك وفي خضم الفشل المتواصل وإغراق البلاد في الاستدانة من الخارج باتت مصر على شفير الإفلاس ورهن وبيع مقدرات تراب الأوطان بالجملة والقطاعي وتيران وصنافير كانت إحدى هذه الصور، وكذلك الغاز المصري الذي منح لكلٍّ من إسرائيل وقبرص واليونان، والذي يقع في المياه الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط، والذي يقدر قيمته خبراء بأكثر من 200 مليار دولار .

•الشركاء المتشاكسون

وفي هذه الأثناء ما زال فصيل الثورة يتقاذف الاتهامات والشبهات إبان ذكرى الحوادث الثورية المختلفة في تراتب مثير، حتى يستمر النظام في غيه ويظل الثوار يتناطحون فيما بينهم حتى يتحولوا إلى معارضة مدجنة ومستأنسة لا تسمن ولا تغني من جوع.

•الثوار الجادون

ولكن ما زال هناك بعض فئات من الثوار يشكلون مصدر خطر وتهديد حقيقي على النظام في مصر لأنهم حقيقةً غير موجهين وليست لهم أجندة ولا يستندون إلى قوة خارجية، ولا يدعمهم إلا كل وطني شريف مخلص يريد عن حق استقلال الإرادة والنهضة الحقيقية، في الوقت الذي يجري تجاهلهم تمامًا وعدم الاهتمام بهم من قبل قنوات الخارج أو ما تسمى (قنوات المعارضة في تركيا) لأسباب غير مفهومة.

•المهندس الساخر وعبقري الإعلام

المهندس خالد السرتي صاحب المنطق الساخر والألفاظ اللاذعة ومعشوق جماهير (الألش) أحد رموز ثورة يناير، والمقيم بالولايات المتحدة، صاحب فكرة حملة أصحاب البلد، والتي باختصار تنادي بفضح النظام المجرم الذي يستدين من الخارج وتفتح له بنوك وخزائن الغرب أبوابها من خلال بيع البلد بالصكوك القانونية، فيقول السرتي إن هذا الرجل لا يعبر عن الإرادة الجمعية للأمة المصرية، بل هو يعبر عن ذاته، أما أصحاب البلد الأحرار لا يرضيهم بيع البلد ومن أجل هذا يقوم السرتي ورفاقه ومن لبى دعواته عبر مواقع التواصل الاجتماعي بتدشين حراك شعبي يرفض البيع ووسيلتهم في ذلك إرسال خطابات من كافة المشاركين إلى المؤسسات المالية العالمية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد وأمثالهم، مما يمثل ضغطًا شعبيًّا نوعيًّا يفضح أي ركون أو خضوع لهذه المؤسسات وكشف تواطئها إذا لم تصدر بيانًا عن هذا الرفض.

كما أن أجهزة المخابرات العالمية ترصد مثل هذا الحراك وتعطي به تقارير وإفادات عن هذا الحراك الجديد؛ مما يعجل بالتخلي عنه حتى تظل الجماهير الإسلامية لديها نوع من الارتياح أو الثقة لمفاهيم الديمقراطية والشفافية الدولية، وبالفعل بدأت هذه الحملة تتردد أصداؤها في العالم الافتراضي، وأخذت تأخذ قوالب ثورية على الأرض؛ مما يجعلها أحد الكيانات المعبرة عن الثورة المصرية في الحراك القادم.

•الطبيب النفسي والممثل الساخر

وعلى الجانب الآخر يقوم حراك آخر يتعانق ويتحد مع فكرة السرتي في الهدف ويختلف في الوسيلة، ويتكاملان في الإخوة الوطنية، ويتفقان في موجة السخرية العاتية التي يكيلونها للنظام حيث يشجع كلٌّ منهما الآخر.

 الدكتور تامر جمال، أو ما يعرف بعطوة كنانة، أو الجوكر المصري، أو الدكتور عيد سعيد مبارك عليكم صاحب الأدب الإعلامي الثائر والساخر المقيم بتركيا، يقوم أيضًا بتشكيل تنظيم عنقودي عبر الإنترنت عبر قنوات آمنة يشبه المنظمات الثورية الأيرلندية إبان حركة التحرير من بريطانيا، والتي كان يقودها مايكل كولينز، مع اختلاف جوهري وهو عدم التوسع في استخدام السلاح لمواجهة آلة البطش المستبدة، بل يمكن الدفع عبر وسائل سلمية، ولكنها تمثل في الوقت ذاته أدوات دفاع وهجوم مما يخرج الأمر عن السياقات التي تعودت عليه أجهزة الأمن من قبل، جماعة الإخوان المسلمين الذين يمثلون خامة بشرية رائعة، ولكن للأسف تتحكم فيها قيادات شاخت وشاخ معها الفكر الثوري والحركي، وباتت لا تقدم إلا الجمود وهذا الذي أصاب الثورة في مقتل.

بيد أن تامر جمال بات يشبه إلى حد كبير تجربة سيد قطب في تنظيم 1965م مع الفارق، ولكنه يمثل أيضًا تعديل لأخطاء الماضي، حيث إنه يدرك تمامًا أن الحق بدون قوة تحميه باطل في شرع السياسة كما قال تشي جيڤارا.

•النهاية المحتومة

ومع التراكمات الواقعة على الأرض من تفاقم أزمة البطالة، وتفشي الإهمال الطبي في المستشفيات، وإغلاق المؤسسات الصناعية الحكومية العملاقة، مثل الحديد والصلب، والغزل والنسيج، والذي ينتج من ذلك من تشريد آلاف الأسر المصرية مع ارتفاع معدلات الفقر، وعلو أنين المواطن من موجة الغلاء الضاربة في أنحاء البلاد، وانتشار الفقر، والجهل يتنامى الحراك الشعبي والانفجار الثوري حتى يبلغ مداه المتوقع، وحينها سوف نرى الجوكر ورفاقه على الأرض، وسوف تلتهب الأجواء بنار الثورة التي لن تبقي ولن تذر، ولن تكون بيضاء كسابقتها في يناير، بل ستختلف كليةً وسوف نرى نموذجًا غير عادي، فهل ينجح الأبطال الساخرون في إخراج مشهد النهاية لهذا الفيلم العبثي الذي تعيشه مصر منذ 1952م وحتى وقتنا الحاضر؟ هل سينجح أصحاب النكات السياسية والسخرية اللوذعية أن ينهوا ما توقعه الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل من إن مصر سوف تصبح أضحوكة العالم ؟!

حتى نسطر في التاريخ أن الشعب الوحيد الذي اتهموه بإلقاء النكات على نفسه في وقت الشدة، نفعته هذه النكات السياسية الساخرة وكانت أحد أشكال الإبداع في الاحتجاج، وبسببها سقط أعتى نظام دموي انقلابي مجرم مر على هذه البلاد.

ما الذي سوف يحدث في الأيام القادمة؟!

هذا ما ستحمله الأيام الحبالى القادمة بالأنباء الجثام، سنحيا كرامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد