إن ما حدث من ثماني سنوات لن يتكرر، أو كما سمعها الجميع من صاحبها، ولو كانت هذه المقولة تحمل الكثير من الحقيقة، إذ إنه من العبث أن يقال بأن التاريخ يكرر نفسه، فلكل زمن حوافز تتعلق به ولا تتعلق بغيره، كما أن القوة التي سيطرت على الماضي غير تلك القوة التي تسيطر على الحاضر أو المستقبل.

ومهما قيل من أن الطبيعة الإنسانية ﻻ تتغير في كثير من الغرائز والنزاعات حتى أنها تبدو ثابتة كغرائز الجنس وحب السيطرة والتملك والمقاتلة، فهذه الغرائز كلها تخضع دائمًا لمبادئ التطور الحضاري والمجتمعي. وإذا كان التطور هو سنة الحياة في سعيها إلى الارتقاء كما يقول دعاة الداروينية، أو في سعيها إلى الكمال كما يقول دعاة المثالية؛ فإن التطور يسير مع التاريخ على وتيرة واحدة، ويتناسبان تناسبًا طرديًا إذا ما أخذنا بالمقايس الرياضية.

والتطور الطبيعي يسير في اتساق تام مع الزمن ﻻ يخفى على عالِم الحفريات، كما التطور الفكري يخطو مع التطور الحضاري في خطى ﻻ يسبق فيها أحدهما؛ أما التطور التاريخي والزمان فإنهما مُتلازمان وفي تلاحق ﻻ ينقطع أبدًا؛ ولو كان التاريخ يعج باﻷحداث في زمن، فهو راكد في آخر، وبرغم كونه مُسرع الخُطا في بعض البقاع ويبطئ بها في أخرى، إﻻ أنه ﻻ يشذ أبدًا عن سُنة التطور.

والتاريخ عليه أن يحررنا من التأثيرت غير المناسبة للأزمنة الأخرى، بل من التأثير غير المناسب لزمننا أيضًا، لذا فإن قياسنا للحدث التاريخي والحكم عليه في حين حدوثه يكون قياسًا قاصرًا؛ وإنما يجب أن تقاس الوقائع بامتدادها التاريخي منذ أن كانت في طور التكوين تمهد لها الظروف للوقوع، فاﻷحداث المحورية في التاريخ يسبقها دائمًا ما يمهد لها. وهذا هو جوهر عمل المؤرخ الذي لزامًا عليه أن يتحرر من أثقال البيئة ومن وقر الزمان والمكان، وأن يتسامى بذاته عن أحداث التاريخ فلا ينشد منها غير الحقيقة، ولا يبتغي من ورائها غير الخير والجمال، حتى يأتي تقديره للحدث التاريخي جليًا وحكمه على الأشخاص التاريخية معتدلًا منصفًا.

وأغلب الظن أن مصدر الخطأ وراء القول بأن التاريخ يعيد نفسه؛ يكمن في أن أحداث التاريخ من حيث التعميم تبدو متشابة، فالإنسان يسعى في كل العصور إلى منفعة نفسه، وهو يخوض في سبيل ذلك كثيرًا من المعارك، وينزل في أغلب الأحيان على حكم أوضاع قاهرة تدعوه إلى تأمين حياته؛ بل إنه قد يتنازل عن كثير من حاجيته وحريته لتأمين وجوده الفردي، ووجوده الكلي باعتباره عضوًا في مجتمع ينتسب إليه، وفي سبيل ذلك يمر أيضًا بالعديد من التجارب.

لكن هذه التجارب الإنسانية التي يمر بها الفرد أو المجتمع لا يمكن أن تتكرر حتى تحت ظروف مُماثلة تمامًا كما يقول كارل بوبر في كتابه «عُقم المذهب التاريخي»؛ إذ إن التكرار دائمًا ما يخلق تجربة جديدة؛ لأن العوامل التي خضعت لها التجربة الأولى تكون قد تغيرت عند التكرار، ولما كان التكرار يؤدي إلى خلق عادات جديدة، والتى بدورها تؤدي إلى تولد ظروف جديدة؛ مما لا يتيح لنا أن نتحدث عن تكرار بالمعنى الدقيق.

إلا أن هذه الظروف الوليدة قد تحفز الشعور الفردي نحو الحاجة للتغيرات التاريخية الكبرى، وإن كان الخوف الاجتماعي يحول بين الأفراد وبين التعبير عما في أذهانهم، وقد يستمر ذلك حتى لحظة تاريخية حاسمة تشتعل فيها الثورة، الثورة التى تواجه موجة النفاق الاجتماعي، وقد يقف منها المجتمع موقفًا مضادًا بدافع الخوف من العواقب، والحذر من مواجه المجهول.

وسرعان ما تؤكد الثورة صدقها في التعبير عن مكنونات نفوس الأفراد الدفينة ونزعات المجتمع اللاشعورية، وحينها تغدو الثورة ظاهرة اجتماعية، وقد لا تتم الثورة في جيل واحد، وإنما تُدركها أجيال مُتلاحقة، أو نظنها كذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد