حتى هذه اللحظة لم تؤكد أي تقارير رسمية ما طبيعة إصابة قائد القوات التابعة للبرلمان الليبي، المشير خليفة حفتر، لكن المؤكد أن الرجل مصاب، وحالته استدعت نقله إلى أحد مستشفيات باريس.

وكطبيعة البشر يتعرض الإنسان أيًّا كان سنه أو مكانته أو رتبته إلى ظروف صحية متغيرة، حتى لو كان نبيًّا مرسلًا، ومن الطبيعي أيضًا أن يموت الإنسان حتى بدون أي أسباب، لذا أستغرب جدًّا من الفريقين، الأول يشمت في المرض لموقفه السياسي، والثاني: يدافع عن صحة الرجل الذي جاوز السبعين عامًا وكأنه إله لا يفنى، والفريقان مخطئان.

سياسيًّا، نحاول الحديث عن سيناريوهات غياب الجنرال حفتر عن المشهد السياسي والعسكري، سواء بطول فترة مرضه، أو حتى برحيله كباقي البشر، وكيف ستتأثر قوات الجيش التي شكلها حفتر نواة لجيش ليبي ما يزال حتى الآن يشهد انقسامًا كباقي المؤسسات الليبية.

سياسيًّا: سيكون غياب حفتر هو غياب للمؤسسة العسكرية أن تكون طرفًا في الانتخابات المقبلة، والتي بات ترشيح «المشير» لها مسألة وقت، وهنا ربما يكون الوضع أكثر هدوءًا وتلتزم المؤسسة بحماية صندوق الانتخاب دون الانحياز إلى شخص أو فصيل.

وهذا الغياب سواء، لحفتر أو مؤسسته، سيفسح المجال إلى منافسة حقيقية بين مرشحين يقف خلفهم أحزاب أو تيارات مختلفة، ومن ثم يمكن أن تأخذ الانتخابات المنتظرة هذا العام صفة الجدية والشفافية لربما يمكنها إفراز رئيس منتخب لأول مرة في تاريخ ليبيا.

لكن أيضًا هذا الغياب سيفسح المجال أمام تيار «الإسلام السياسي»، وأكبر حزب يمثله الآن هو حزب «العدالة والبناء»، بل سيشجعه على خوض الانتخابات سواء بمرشح منه أم دعم مرشح بعينه، كون الجنرال «حفتر» كان أكبر عائق أمام منافسة هذا التيار، والذي من الطبيعي أن يكون من حقه الدستوري الترشح والمنافسة كونه لم يثبت عليه حمل السلاح، أو دعم أي ميليشيات متطرفة.

عسكريًّا.. وهذا هو الأهم

الأكثر حساسية من تأثير غياب «حفتر» عن المشهد السياسي هو غيابه عن المشهد العسكري، خاصة أنه كان على مشارف خوض معركة جديدة ضد مدينة «درنة» بعد حصارها عدة أشهر، لكن مرضه أخر الأمر.

الأزمة أن «حفتر» أو من حوله جعلوه هو محور «الجيش»، بل تحول فعلًا إلى نظام في الشرق الليبي قائم بذاته، وهذا سيجعل غيابه بمثابة «انهيار» ولو مؤقت للجيش الذي كونه ودافع عنه، واستطاع فرضه على الجميع، والحصول على اعتراف البرلمان به، والذي منح حفتر رتبة «المشير»، وهذا التمحور الشخصي هو المعضلة الكبرى.

وبتحليل مبدئي يمكن توقع سيناريوهات ما سيحدث حال رحيل حفتر أو استمرار مرضه، الذي قد يعوقه عن ممارسة مهامه قائدًا عسكريًّا، ومن هذه السيناريوهات:

– سيناريو تفاؤلي: يتلخص في تجاوز الشخص والاهتمام بالمؤسسة، ومن ثم تكليف البرلمان شخصية أخرى لأن تقوم بالمهام، ومن ثم مرونة أكثر في التعاطي مع عسكري الغرب الليبي الذي كانت معضلتهم الوحيدة في التقارب مع الشرق الليبي هي «حفتر»، وسينتج عن هذا التقارب – حال حدوثه- توحيد المؤسسة العسكرية وإبعادها عن أي تجاذبات سياسية.

– سيناريو تشاؤمي: وهو وقوع انشقاقات في قوات حفتر، وكذا اغتيالات شخصيات وقيادات هناك من باب الثأر، خاصة مع تيار قوات الصاعقة التي اعتقلت قوات حفتر أحد أهم الضباط بها، وهو محمود الورفلي، أو بين أبناء المشير ومن يحاول منافستهم على خلافة والدهم، «خالد حفتر وصدام حفتر»، لهما سلطة كبيرة في الجيش، ولهما علاقات إقليمية ودولية واسعة سيكون من الصعب إزاحتهما.

وهذا السيناريو ربما ستكون نتائجه وخيمة على الجميع، فستتحول المنطقة الشرقية إلى ساحة صراع، ومن ثم عودة الخلايا النائمة التي قاتلها حفتر لعدة أعوام وطردها من بنغازي، ومن ثم انهيار القوات التي كان يقودها حفتر وفرار القيادات.

– سيناريو وسطي: وهو تدخل القوى الكبرى والإقليمية لمنع أيٍّ من السيناريوهين السابقين، وخاصة الرهان يبقى على الدول المحورية القريبة من قوات حفتر، وعلى رأسهم الدولة المصرية التي استطاعت مؤخرًا أن تقرب وجهات النظر بين عسكري الغرب والشرق الليبيين، وتدخلها هنا سيكون في مصلحة مؤسسة عسكرية موحدة، ولأن الأضرار لأي معارك كبرى في الشرق الليبي – لا قدر الله- ستكون على مصر وحدودها، والتي سيرفض جيشها وقوع ذلك.

لذا على الليبيين، ومن يريد لهم الاستقرار، التفكير بعقل ومنطق وحكمة في البحث عن آليات حل لمعضلة غياب «المشير حفتر» حتى لا تنهار كل خطوات المصالحة والحل السياسي التي خطتها ليبيا بمساعدة دولية أو عربية، وإن عاد «حفتر» إلى المشهد عليه أن يعتبر مما حدث، وليظهر مرونة أكثر في التعاطي مع المبادرات السياسية، وليجعل من الجيش الليبي مؤسسة دولة وليست قوات خاصة لحماية شخص.

حفظ الله ليبيا، وجيشها، وشعبها، وكل وطني مخلص فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك