مما لا شك فيه أن المنطقة العربية تشهد تحولات كبيرة، ومخاضًا اجتماعيًا عسيرًا في العقد الأخير، بداية من الموجة الأولى من الربيع العربي في تونس، ومصر، وليبيا، وسوريا، إلى الثانية في الجزائر والسودان، وها هي تدق طبول موجة أخرى في مصر مع موجة الاحتجاجات التي تعم كل البلاد تقريبًا، فكيف نفهم هذه الاحتجاجات وفي أي سياق نضعها؟

بدأ الحراك الشعبي في الموجة الأولى والثانية والآن في مصر حالة مطلبية اجتماعية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وتراجع المستوى المعيشي، ولكن سرعان تتحول هذه الحالة المطلبية إلى حالة سياسية عامة معبرة عن أزمة حياتية خانقة في كل مجالات الحياة، فتكون حالة الاستبداد، وتخلف الدولة عن المجتمع بالتهميش السياسي والاقتصادي شرطًا موضوعيًا يؤدي بالضرورة إلى توترات اجتماعية تنتظر الحافز والمحرك لتصبح حراكًا شعبيًا مجتمعيًا أو ثورة شعبية عارمة.

وقد حاولت منظومة الاستبداد بعد انقلاب 2013 ومن خلفها منظومة الهيمنة العالمية احتواء الشعب المصري (حسب ما صرح به مسؤولون أمريكان وصهاينة) في إطار استقرار موهوم سينجلي عنه الغبار في أول محاولة لكسر جدار الخوف، وقد تكون هذه الاحتجاجات بداية الانجلاء إذا ما توفر لها حافز عرضي يدفعها نحو أن تكون ثورة مصرية ثانية.

إضافة إلى الشرط الموضوعي الأساسي الذي ذكرناه فإن شروط التوتر والحراك والثورة مازالت قائمة، وبقاء الأسباب التي أدت إلى الحراك الأول يعني أن الحراك سيظل قائمًا، وما دام التغيير لم يحدث، ولم تتحسن أوضاع الناس للأحسن، فستبقى العوامل التي تؤدي للثورة قائمة، وإن بدت في لحظة زمنية معينة أنها انتهت، ولكن المتأمل بمنظار التاريخ سيعرف أن الثورات مسار تاريخي لا يعرف العودة، وأن لها محطات يصعد فيها خطها الزمني، ويأفل مرة أخرى فتنحني، ولكنها لا تنكسر.

وإذا حاولنا حصر بعض العوامل التي تجعل محاولة الأنظمة الاستبدادية في تقديم استقرار موهوم محاولات فاشلة فإننا يمكن أن نجملها في التالي:

سهولة الاتصال وانتشار المعلومة وعدم احتكارها من جهة واحدة، فلم يعد بالإمكان أن تؤثر آلة إعلامية سلطوية على وعي الجيل الجديد من الشباب الذي اقتحم وسائل الاتصال الشبكي، وأصبح يأخذ المعلومة من جهات مختلفة، كما أنه لا يمكن في الغالب أن تقنع مجتمعًا أنه يعيش حالة مختلفة عما يعيشه فعلًا.

الانفتاح والاطلاع على النماذج العالمية الناجحة؛ مما يدفع أكثر بقناعة الشعوب بقدرتها على التغيير فقد عاشت الشعوب العربية حالة التخلف مع شعوب أخرى في نهاية القرن الماضي، ولكن هذه الأخرى قطعت أشواطً كبيرة، في حين مازالت الشعوب العربية تراوح مكانها ومن هذه التجارب: التجربة الرواندية، الإثيوبية، الكورية، البرازيلية، التركية.

 زيادة منسوب الوعي بسبب التراكم التاريخي، وانتشار التعليم وأصحاب الشهادات الجامعية في المجتمعات العربية، وهذا صاحبته حالة مرتفعة من سقف التوقعات؛ مما ولد ضغطًا اجتماعيًا أكبر.

انهيار وتفكك منظومة الهيمنة العالمية، وما تعيشه من أزمة على مستوى أفكارها الحاكمة ومؤسساتها، والتي بدا عجزها أكثر بعد جائحة كورونا (الاتحاد الأوروبي مثالًا…).

 النسق الثقافي والحضاري الذي تنتمي إليه شعوب المنطقية العربية وما تحمله من جذور عقائدية ودينية رافضة للاستبداد في القرآن الكريم.

إذا جمعنا كل ما سبق فإننا سنخلص إلى نتيجة واضحة مفادها أن التغيير حتمية تاريخية، وأن أنظمة الاستبداد إنما تقف ضد عجلة التاريخ، فالشعوب وصلت إلى نقطة اللاعودة، ولا يمكنها التراجع في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة، قد تطول المدة قليلًا، أو تقصر بحسب المتغيرات والأحداث، وربما تحمل هذه الاحتجاجات المصرية معها مرحلة جديدة تدخلها المنطقة العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد