هل لهذا العالم الذي نعيش فيه نظام واضح؟ هل معرفة العقل البشري مقصورة على تفسير “كيفية” عمل ذلك النظام؟ أم أن تلك المعرفة قادرة بطريقة ما على سبر “ماهيته”؟

انطلاقـًا من هذه التساؤلات يمكننا أن نفهم جوهر الإشكالية التي طرحها الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788 – 1860) في كتابه المهم (العالم إرادة وتمثلاً)حين استخدم مبدأ “العلة الكافية” كأداة تحليلية للإمساك بجوهر الفكر والوجود في تجسيداته الظاهرة وعلله الباطنة.

فحتى نتمكن من تصور موضوع ما في أذهاننا؛ فإنه يشترط وجود هذا الموضوع في مكان معين، وحدوثه في مكان محدد، ووجود علاقة سببية تربطه بغيره من الموضوعات، وهذه هي الصورة الأساسية التي تمثل تصورنا للأفكار والموضوعات.

يقوم مبدأ “العلة الكافية” لدى شوبنهاور بتقسيم المعقولات الذهنية (موضوعات الإدراك) إلى أربعة أنواع:

التصور – الإدراك المرتبط بالزمان والمكان – المشيئة – الحس

فموضوعات الفيزياء أو العلوم التجريبية هي ما يتعلق بالحس وتتحكم بها ملكة الذهن والملاحظة، وموضوعات الأخلاق هي ما يتعلق بالمشيئة وتتحكم بها ملكة الوعي الذاتي أو الذات العارفة، وموضوعات الرياضيات (التوالي الزمني) والهندسة (التجاور المكاني) هي ما يتعلق بالإدراك المرتبط بالزمان والمكان وتتحكم بها ملكة الحدس أو البعد الوجودي، وموضوعات المنطق والاستدلال هي ما يتعلق بالتصور وتتحكم بها ملكة الحكم والتجريد.

 

التحقق الموضوعي للإرادة في العالم

ما يريد الفيلسوف الألماني قوله هو أن القواعد الأربع المذكورة أعلاه لمبدأ “العلة الكافية” تعمل بشكل متصل ومتناسقمع بعضها بأسلوب يجعلها قانونـًا عامًا، هذا القانون يساعدنا على فهم المظاهر الخارجية (التمثلات) التي تبدو عليها الأشياء بالنسبة لنا، لكن تلك المظاهر بأبعادها الثلاثة (الزمان والمكان والسببية)ليست سوى التحقق الموضوعي للقوة الباطنية التي تحرك هذا الوجود – حسب رؤية شوبنهاور– حينوصفها بقوله “العالم إرادة”!

كل ما نلمسه في هذا العالم من تنوع وكثرة وصراع إنما هو “إحالة موضوعية للإرادة”، وهي تختلف عن صور التمثلات العيانية، وخارجة عن الزمان والمكان، ولا تخضع لمبدأ العلة الكافية، وتـُوصف بأنها عمياء (غير عاقلة) تصارع ذاتها من أجل البقاء،تندفع بلا غاية وتتحرك بلا سبب، وتتجسد ظواهرها بلا حدود في أنواع الطبيعة العضوية وغير العضوية.

الإرادة بالمعنى الذي يقصده شوبنهاور ليست إرادة الاعتقاد أو الخير وليست الإرادة العاقلة التي تصحبها المعرفة وتحددها الدوافع بل هي ذات طبيعة مختلفة بالكلية، والمدخل إلى فهم هذه الطبيعة الغامضة للإرادة يبدأ من الفرد، حيث لا يختلف إدراكه للتغيرات في سائر موضوعات الحياة عن إدراكه لحركات وأفعال جسمه، ولكن المفارقة هنا هي أن تفسير مظاهر الحياة من خلال سلسلة العلل والمعلولات لا يبدو كافيًا لفهم مغزى وجوده ككيان فردي (لماذا أنا هنا؟).

 

الطبيعة الثنائية للإرادة وأبعادها الباطنية

يؤكد شوبنهاور أن “الإرادة وحدها هي ما يمكن أن يمنح الفرد تفسير ظاهرة وجوده الخاص”، فالتحقق الموضوعي لوجود الفرد بالنسبة للذات العارفة يظهر بصفتين مختلفتين:

الأول بوصفه موضوعًا يمكن إخضاعه للتحليل المعرفي (الفسيولوجي) ويطلق عليه عمل الجسد، والثاني بوصفه كيانـًا نفسيًا عميقـًا يتجلى لكل فرد على نحو يجعله يميز ذاته عن غيره ويُطلق عليه فعل الإرادة، ولا يمكن أن يعد الفرد واعيًا حتى يدرك تمامًا بأن كل فعل من أفعال إرادته هو في ذات الوقت عمل من أعمال جسده.

التوصيف المزدوج لظاهرة الفرد تُجسد “التحقق الموضوعي للإرادة” حيث يتم الوعي بالجسد بواسطة الإرادة بطريقة قبلية ويتم الوعي بالإرادة عن طريق الجسد بطريقة بعدية، والمؤثرات التي يتعرض لها الجسد تكون متناسبة مع التأثير الواقع على الإرادة، ولذا فإن استجابة الفرد تظهر في الشعوربأحاسيس “اللذة” في حال توافق المؤثرات مع الإرادة بينما يتجلى الشعور بـ”الألم” إن كانت تلك المؤثرات في حال تضاد معها!

وعندما يصبح الفرد في وضعية الاستجابة لمؤثر ما فإنه يكون حينها – فقط – موضوعًا معطى للمعرفة التي يمكن إدراكها من خلال الذهن، والإرادة هي “الطبيعة الباطنية” لمظاهر نشاط الفرد حيث تتجلى في صورة جسده أو صورة أفعاله، وهي تنكشف له في وعيه بشكل مباشر فيعرفها في ذاته بشمولها وليس بأجزائها.

أجسامنا هي أكثر الأشياء حقيقة بالنسبة إلينا، والإرادة تصور جسمنا باعتباره “وجودًا في ذاته”، وإقرارنا بالطبيعة الثنائية لماهية أجسادنا وفاعليتها هي مفتاح فهم “البعد الباطني” لكل ظاهرة في الطبيعة، فالعالم ندركه في أبعاده المادية وعلله المحسوسة بصورة مجردة في أذهاننا لها قابلية المعرفة بوصفه تجسدًا، ولكنه في ذات الوقت يكون نفس الشيء الذي نجده في أنفسنا في صورة “ماهيته” العميقة بوصفه إرادة.

 

تجسيدات الإرادة في الطبيعة والنبات والحيوان

الطبيعة الغامضة للإرادة باعتبارها “الشيء في ذاته” تختلف تمامًا عن تجسدها كمظاهر موضوعية حيث تكون متحررة تمامًا – قبل تمظهرها – من كل صفاتها الخاضعة للإدراك الذهني، ونظرًا لتعذر التشريح المعرفي لحقيقة الإرادة بوصفها جوهرًا “لاعقلانيًا” لا يمت بصلة لعالم المعرفة المنظمة فإن أفضل الطرق لفك طلاسمها هو محاولة التفكير فيها من خلال دراسة تجسيداتها كظواهر يمكن تناول معطياتها بطريقة موضوعية.

فعلى سبيل المثال؛ تتجلى الإرادة في أكثر صورها عمومية في الموجودات اللاعضوية، وخواص هذه الموجودات – كالصلابة والسيولة وعدم القابلية للنفاذ والجاذبية والكهربائية والمغناطيسية… إلخ – يشكل اختلافاتها النوعية.

وهذه الخواص في ذاتها هي تمظهرات مباشرة للإرادة ولذا فلا علة لها! فمظاهرها الجزئية فقط (بمعنى الكيفيات التي تمارس فيها حضورها الموضوعي) هي التي تكون خاضعة لمبدأ “العلة الكافية”.

وغالبا ما تسمى هذه الخواص بـ”قوى الطبيعة” حيث يتم افتراضها كبدهيات وعلل أولية لكل المعلولات التي يتجلى من خلالها “الوجود الباطني” لهذه القوى، لكن ذات القوة أو الخاصية فتقع خارج سلسلة العلل ويـُنظر لها باعتبارها “التحقق الموضوعي المباشر للإرادة” وهذا هو مجمل خواص الموجودات اللاعضوية في الطبيعة بوصفها الشيء في ذاته.

وتتجسد الإرادة بأدنى درجاتها تعقيدًا في مملكة النبات، والوجود الظاهري للإرادة في النباتات يبدو بسيطـًا ومباشرًا وبريئًا، فكل نبات يعرَفك بسهولة على كيفية نشوئه وطبيعة تربته وظروف مناخه “وهذه البراءة التي تميز النبات ترجع إلى افتقاره للمعرفة”.

ولكن هذه البراءة تنعدم تمامًا في المستويات العليا للإرادة في عالم الحيوان، فالمملكة النباتية بكل براءتها تصبح مجرد غذاء لعالم الحيوان، بل كل حيوان يتحدد وجوده الفعلي بقدرته على الإزالة المستمرة لحيوان آخر! هنا تتعرى الإرادة حين تفترس ذاتها وتتغذى على نفسها، يقول إمبيدوقليس: “إذا لم يسد الصراع في الأشياء لكانت الأشياء كلها تشكل وحدة واحدة”.

 

تأثيرات الإرادة في الإنسان ووحدة جوهرها الداخلي

الإرادة تتجلى – بكل طبيعتها الغامضة والمندفعة واللاسببية والمعقدة – في صورة مدركة حينما تتجسد في النوع الإنساني، ويبدو الإنسان حرًا مستقلاً في الظاهر بطريقة قبلية (أي قبل ممارسته لتجربة الحياة) ولكنه يكتشف عدم انفكاكه عن سيطرة الإرادة في الباطن بطريقة بعدية.

وغالبًا ما يظن أنه يتلمس خطواته في الحياة بوحي من خياراته لكن الإرادة هي ما يدفعه من الخلف لمواجهة مصيره!والتحقق الموضوعي للإرادة في الإنسان يعبر عن نفسه في كثرة لا متناهية من الأفراد بشخصيات مختلفة درجة التضاد، وأمزجة وطبائع متناقضة درجة الصراع.

يؤكد شوبنهاور أن الاختلافات بين أفراد النوع الإنساني هي من تأثيرات الإرادة وليس من تأثيرات العقل، فنحن نميز سلوكيات الناس من معرفة طبائعهم وليس من طريقة تفكيرهم، والإرادة هي السبب في وجود غريزة التعلق بالحياة، ونحن لا ندركها بحاسة العقل لدينا وإنما بملكة الشعور، ولذا “فكل انتحار إنما يصدر عن العقل، أما إرادة الحياة فسابقة على كل عقل”!

والجزع من الموت لا يصدر من العقل لأنه لا فرق – من الناحية المنطقية – بين العدم الذي كنا فيه قبل الولادة وبين العدم الذي صرنا إليه بعد الوفاة، والموت ليس فناء وإنما هو تجدد للإرادة من خلال الأفراد، “الحاضر صورة الحياة، والحياة جوهر الإرادة، فالإرادة حضور مستمر”.

والإرادة في جوهرها الداخلي هي من طبيعة واحدة لا تقبل الانقسام، وعندما تتجسد بصورة موضوعية في العالم فإن توالي الزمان عليها ليس له أية دلالة على الإطلاق، وعن طريق ما يسميه شوبنهاور بـ”المواءمة والمُلاءمة” تتكيف الظواهر في الطبيعة مع بعضها في رحلة صراعها من أجل البقاء.

يقول آرثر شوبنهاور: “التكيف والتوافق التبادلي للظواهر التي تنشأ من هذه الوحدة ]أي وحدة الإرادة[لا يمكن أن يستأصل العداء الباطني الذي يظهر في الصراع الشامل في الطبيعة، ويمثل خاصية جوهرية بالنسبة للإرادة، فانسجام الظواهر إنما يحدث فقط بالقدر الذي يجعل من الممكن استمرارية العالم وموجوداته، وبدون ذلك لكان العالم قد فنى منذ عهد بعيد، وبفضل هذا الانسجام والتكيف يمكن للأنواع في الطبيعة العضوية، وقوى الطبيعة العامة في الطبيعة اللاعضوية أن تواصل وجودها جنبًا إلى جنب”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد