اليوم كان هو اليوم الأول لي في مدرستي الجديدة، عدت للتدريس بعد سنوات أمضيتها في تركيا لكن بعد كل هذه السنوات من التعب واللجوء واستعادة النظام السيطرة على جميع الأراضي السورية ودعوته المهجرين والنازحين للعودة إلى أراضيهم ونسيان الماضي والتسامح بين أبناء البلد الواحد وبعد أخذ ورد قررت العودة، أردت في الحقيقة المساهمة في بناء ما تهدم من بلد تمزق إلى أجزاء ودمرت بنيته التحتية بشكل كامل فكان واجب أبناء الوطن إعادته إلى مصاف الدول المتطورة.

كان أول درس لي في الصف الثالث الإعدادي دخلت على الطلاب وأنا مفعم بالحيوية والنشاط، فخطوة البناء الأولى للمجتمع تبدأ بالتعليم كان الطلاب جالسين في مقاعدهم، وآثار تعب السنين على وجوههم بدأت الحصة وكان الشرح حول كتابة المواضيع وطريقة إيصال الأفكار خلالها واخترت أن أعلمهم كيف يكتبون عن شخصية قيادية لها أثر على المجتمع أعطيتهم مثال عن صلاح الدين الأيوبي الرجل الكردي الذي قاد الجيوش لتحرير بلده وتحرير القدس، ليكون مثالًا على التجانس ونبذ الطائفية والحقد الذي استشرى في الأعوام الأخيرة ثم طلبت منهم أن يكتب كل منهم موضوع قصير عن شخصية قيادية هم يحبونها أو يرون فضلها على المجتمع، بدأ الطلاب بالكتابة وبعد 10 دقائق سلموني مواضيعهم البعض كتب عن شخصيات تاريخية مثل خالد بن الوليد وقطز وعبدالرحمن الداخل، والبعض آثر أن يكتب عن شخصيات من الواقع فكتب بعض الطلاب عن عبد القادر الصالح وأبي فرات أهم قيادات الجيش الحر الذين قتلوا خلال الثورة، والبعض الآخر كتب عن بشار الأسد وسهيل الحسن وبعض وجوه النظام التي حاربت الثورة على أنهم أبطال، بينما كتب عدة أشخاص عن أسماء لم أعرفها مثل أبي حفص التونسي وأبي عمر العراقي وعند سؤالي لهم قالوا لي إن هؤلاء كانوا من قيادات تنظيم الدولة.

لم أعرف ماذا أفعل وما الذي يجب فعله بعد هذه التناقضات والصراع الفكري بين الطلاب، لكنني لم أتكلم معهم بخصوص الشخصيات التي كتبوا عنها، أعدت الدفاتر إليهم وجلست أفكر بالاختلافات داخل الصف بينما الطلاب يتناقشون فيما بينهم ومع شرود ذهني لم أفق من هول الصدمة إلا على صوت الطلاب يتعالى وعندما أدركت الشجار بينهم صرخ أحد الطلاب أن من يريد الحرية فليذهب إلى أوروبا ليعيش هناك، أما في سوريا لا يوجد سوى بشار الأسد الذي بقي رغم تآمر الأعداء ليرد عليه من كتب عن شخصيات تنظيم الدولة ليقول إن دولة الإسلام باقية وستعود أقوى مما كانت عليه، زاد الخوف والذهول لدي لم أعرف ما يجب فعله أو ماذا يقال في هذه المواقف فالأطفال لم يعودوا أطفالًا كما في بقية البلدان، بل أصبحوا نماذج عن من كان يحكم مناطقهم في بلد تأثر خلال السنوات الماضية بتجاذبات وأيديولوجيات جماعات ذات توجهات مختلفة ومتضادة انعكس تأثيرها على الجيل الذي تربى تحت هذه الأيديولوجيات فنتج عنه حروب داخل الصف الواحد أو ربما المقعد الواحد.

دعوات التسامح والتصالح ونسيان ما حدث خلال أعوام الثورة لن يكون من السهل أن يفهمه الجيل القادم في ظل وجود نظام استخباراتي لا يؤمن إلا بلغة القمع والأفرع الأمنية وتهميش الدين وتعليمه للطلاب وفق ما يريد وليس وفق الأصول وتعاليم الإسلام، التي تدعو للتعايش والسلم فالمشكلة اليوم أكبر من أن تحل بمصالحات وترغيب المهجرين بالعودة إلى وطنهم عبر وسائل الإعلام، وإنما بانتقال سياسي يفرغ الحقد الذي في النفوس ويبني جيلًا جديدًا بأفكار جديدة ويعيد اللاجئين لبناء بلدهم لإكمال حياتهم في أقبية الأفرع الأمنية أو ربما في قبور جماعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات