الرئيس الأمريكي ترامب ذائع الصيت، الملقب بألقاب متضادة، ذكي يعرف من أين تأكل الكتف، غير ذكي وكثير الصدام وكثير الكلام، يلعب على عواطف الجمهور، تحركه غرائزه بدون عقل، وكثير من الأوصاف، فلو كانت هناك جائزة لأكثر رئيس حصل على ألقاب متضادة من شعوب العالم لتصدر المركز الأول بأريحية.

لكن اللقب الأكثر انطباقًا عليه هو الفاضح للوجه القبيح لأمريكا تجاه الشعوب التي لا تنتمي للأمة الأمريكية، وهي أن لا خدمة من الأمة العظيمة التي تقود العالم لحكام الشعوب الأخرى بدون مقابل، وأن تحدد الأمة الأمريكية ثمن هذا المقابل، وهو العيش على دماء شعوب الأمم غير الأمريكية مقابل أن يستمر الدم الأمريكي في جسد الأمة الأمريكية العظيمة.

لكن ما يضمن استمرار هذه الأمة العظيمة في «البقاء المؤقت» هو الآلية التي تتحاكم إليها الأمة فِيمَن يكون الأفضل لقيادة الأمة والحفاظ على مكتسباتها، وهذه الآلية برمتها من اختيار الشعب، فلدينا الرئيس وبَيْته الأبيض «السبيل لتنفيذ الرئيس وعوده الانتخابية»، ومجلس النواب الذي يمثل الادعاء «وكيل النيابة»، ومجلس الشيوخ الذي يمثل المحكمة «القاضي»، فهذه الآلية لم تتطور في يوم وليلة، بل هو عصارة مئات السنين من الحضارات التي توالت على البشرية، وما يميزها أنها تتسم بالمرونة في التطوير مع يناسب الهدف الأسمى، وهو اختيار الشعب لمن يقوده ومُرَاقبته والتحكم في عزله أو بَقائه.

يَنتمي ترامب للحزب الجمهوري الذي يستحوذ على الأغلبية في مجلس الشيوخ «القاضي» بـ53 عضوًا مقابل الحزب الديمقراطي 47 عضوًا، ولكن لكي يصدر القاضي الحكم بعزل ترامب لا بد أن يصوت 66 عضوًا بالموافقة على عزله.

نجحت رئيسة مجلس النواب نانسي بلوسي المنتمية للحزب الديمقراطي «وكيل النيابة» بالحصول على موافقة مجلس النواب الأمريكي بأغلبية 230 صوتًا مقابل رفض 197 صوتًا، ولكن حتى ولو لم يتم عزل ترامب فهذه الآلية سمحت للشعب بالوقت الكافي لكي يتخذ قرارًا بتحديد مصيره في الانتخابات القادمة، فكلا الحزبين يطمح إما للوصول إلى الحكم، وإما الاستمرار فيه، لكن التنافس بينهما يجبر الحزب المعارض على كشف مساوئ استغلال المنصب من قبل الحزب الحاكم، والحزب الحاكم يأخذ وقته في الدفاع عن نفسه وعرض وعود انتخابية لتحقيق استمراريته في الحكم، فالفائدة سواء وصل أي الحزبين تعود بالمنفعة على الأمة وتحجيم أو تقليل المصالح الذاتية للأحزاب، لكن هل غيرت هذه الآلية عقيدة الشعب الأمريكي وجعلته يؤمن بالله، أو يؤمن بالبوذية، أو يؤمن بأي دين كان.

الحقيقة أن عقيدته كما هي منذ الحروب الأهلية فلا تحارب العقيدة إلا بعقيدة أخرى، ففساد الأخلاق وانحلالها نتيجة فساد العقيدة وصلاح أمور دنياهم نتيجة الاستفادة من تجارب الحكم لدى الأمم السابقة وصياغة آلية للحفاظ على المكتسبات العامة للأمة.

لكن ما الفائدة لدى الشعوب غير الأمريكية، وخاصة دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط؟

الفائدة أنها كشفت حقيقة وضعهم المزري فهم مثل قطيع من الأغنام ينتظرون أن يتغير المسيطر بالقوة على الحظيرة فَيَحن عليهم باستبدال راع للقطيع يُحَسن ظروف مأكلهم قليلًا حتى يستمروا يومًا آخر في عبوديتهم، وبدلًا عن أن يَنحل وبرهم يَوميا يَتأخر قليلًا إلى أنْ يَمر الشتاء.

على الشعوب أن تتعلم من الشعوب الأخرى التي سبقتها في العلم والحضارة والإنتاج بأن تسلك الطريق الدنيوي نفسه، وأن تطوره بما يلائم الحاضر ويستقرئ المستقبل، دون التخلي عن عقيدته التي عقَّدها مع الله، فهل إذا طبقت آلية لتتطوير المجتمع المدني والحفاظ على مكتسباته سيكفر بالله ويصبح مجتمعًا منحلًا لماذا يُصر البعض على أنْ لا بد عن أخذ الوسيلة التي تحكم مجتمعًا متطورًا مع أخذ قيم المجتمع جملة واحدة، وفي الطرف المقابل يُطْرح سؤال: هل آلية الحكم التي تحتكم إليها المجتمعات المدنية المتقدمة تتعارض مع الدين الحنيف؟ هل محاسبة ومراقبة الحاكم والإدارة الرشيدة تتعارض مع العدل الذي أمر به القرآن؟

فقد أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصًا «تمرا رديئًا» فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا.. قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم. كما ذكره ابن خزيمة في صحيحه.

لا ينبغي للشعوب الحرة أن تنتظر ذهاب جورش بوش الأب، وأن يأتي بيل كلينتون، ولا ذهاب جورش بوش الابن، وأن يأتي أوباما، ولا ذهاب ترامب والانتظار، أن يحن الشعب الأمريكي على باقي شعوب العالم برئيس يحسن وضع الحظيرة، عليها أن تتعلم كيف ذهب بوش الابن، وأتى أوباما وكيف سيذهب ترامب ويأتي غيره،

ولسوء طالع الحظيرة، فقد تَمْتدُّ معانتها لأنه في الغالب قد يفوز ترامب مرة أخرى لأن الشعب الأمريكي في آخر استطلاع للرأي يرى مصلحته العامة في استمرار ترامب في الحكم، ففضائحه وعنصريته في الغالب موجهة إلى مَنْ لَيس مِن الأمة العظيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد