أقر البرلمان الصيني في الحادي عشر من مارس (آذار) 2018، تعديلاً دستوريًا يتيح لرئيس البلاد الحالي شي جين بينغ، البقاء في السلطة مدى الحياة. حيث كان الدستور ينص قبل إجراء التعديل على أنه لا يحق للرئيس المكوث في الحكم لأكثر من فترتين متتاليتين. وقد اعتبر ذلك سابقة في تاريخ الصين التي كانت قد ودعت فكرة القيادة المطلقة للفرد مع رحيل الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونغ عام 1976.

وجاءت تلك الخطوة تتويجًا لمجموعة من التعديلات بعد إعادة انتخاب الرئيس شي لولاية ثانية في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، تضمنت إدراج أفكاره ونظرياته بشأن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، في ميثاق الحزب الشيوعي، ليصبح بذلك أول مسؤول صيني ترفع مكانته إلى مرتبة ماو مؤسس الحزب.

تلك الإجراءات لاقت إشادة كبيرة في حينه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعتبر بقاء الرئيس الصيني في السلطة مدى الحياة، أمرًا رائعًا، كما أشار إلى أن الولايات المتحدة قد تقدم على ذلك في المستقبل.

ما يعيد موقف ترامب من السلطة المطلقة والذي مر عليه أكثر من عامين، تصريحه مؤخرًا بأنه قد لا يقبل نتائج الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في حال خسارته، بالإضافة إلى تواتر تقارير عن اعتزامه تأجيل موعد الانتخابات بسبب فيروس كورونا المستجد.

احتمالات مفتوحة

رغم الأزمات التي تعصف بالولايات المتحدة بسبب جائحة كورونا، وتحميل المسؤولية عن تفشي الوباء في البلاد إلى الإدارة الأمريكية، فإنه يصعب التنبؤ بنتائج الانتخابات في حال انعقادها في الوقت المحدد. ويعود ذلك إلى عدة اعتبارات أبرزها: قدرة ترامب على الكذب وتشويه الحقائق وقلبها لتحقيق مكاسب سياسية.

في حال أسفرت نتائج الانتخابات عن فوزه بفترة رئاسية ثانية، فإن ترامب سيسعى بكل ما أوتي من قوة إلى تحصين نفسه لتكريس سلطته المطلقة، ونستحضر هنا النموذج الصيني مجددًا، فبعد إعادة انتخاب الرئيس شي جين بينغ، لولاية ثانية، كان لافتًا خلو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي (أعلى سلطة في الحزب الشيوعي) من أسماء يمكن أن تخلف الرئيس أو تنافسه في المستقبل، تبع ذلك إزالة بند من الدستور الصيني يحدد الفترة الرئاسية، وهو الأمر الذي أعاد الصين الحديثة إلى حكم الفرد بعد عقود من القيادة الجماعية.

وما يعزز هذا التوجه لدى ترامب، ما كشفه مستشاره السابق جون بولتن، في كتابه «في الغرفة حيث حدث ذلك»، حيث أشار إلى أن الرئيس الأمريكي أبدى تفهمًا لقيام السلطات الصينية ببناء معسكرات اعتقال في إقليم شينجيانغ، معتقدًا بأنها الشي الصحيح الذي ينبغي فعله.

هذا التطرف أثار مخاوف لدى مراقبين أمريكيين، من احتمال أن يترجم إعجاب ترامب بسياسات نظيره الصيني، إلى إجراءات عملية داخل الولايات المتحدة في حال إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية، مثل استبدال قيادات في المؤسسة العسكرية لضبط الولاء، وممارسة المزيد من التأثير والنفوذ على مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسة القضائية، وذلك لضمان إحكام قبضته على مفاصل الدولة كافة، وتجاوز جميع المعوقات التي واجهته خلال الفترة الرئاسية الأولى، حتى وإن اضطر لإقامة معسكرات اعتقال على غرار المعسكرات الصينية لردع المعارضين.

في المقابل، فإن إخفاق دونالد ترامب، في السباق الرئاسي، قد يقود أيضًا إلى ردة فعل غير محسوبة، خصوصًا وأنه كان قد صرح في وقت سابق، بأنه قد لا يقبل نتائج الانتخابات، ما يشير إلى وجود نيه مبيته لقلب المشهد السياسي في الولايات المتحدة عملاً بمبدأ «أنا ومن بعدي الطوفان»، وهو مبدأ متأصل عند معظم القادة الذين تحركهم غريزة السلطة، ولنا في منطقتنا العربية المثل الأعلى.

طموح بلا خطة

على مدار التاريخ كانت لدى الأنظمة الشمولية خطط استراتيجية وبرامج طويلة الأمد، تضمن بقاءهم في السلطة إلى أبعد وقت ممكن. ففي الصين على سبيل المثال، أطلق شي جين بينغ، منذ انتخابه رئيسًا للبلاد عام 2013، ما بات يعرف بـ«مبادرة الحزام والطريق»، وهي أكبر مشروع بنية تحتية في التاريخ، يهدف إلى ربط الصين بالعالم عبر مشاريع تنموية ضخمة رصدت لها مليارات الدولارات.

لاحقًا برر مسؤولون في الحزب الشيوعي الصيني التعديلات الدستورية التي تقضي ببقاء شي في الحكم مدى الحياة، بحرص السلطات على ضمان الاستقرار السياسي للحفاظ على التنفيذ الآمن لمبادرة الحزام والطريق، وذلك استنادًا إلى أن التنمية الاقتصادية تحتاج إلى بيئة سياسية آمنة، وبالتالي بقاء الرئيس الحالي على رأس السلطة يضمن هذا الاستقرار.

غير أن ترامب على خلاف ذلك، ليست لديه أي خطط استراتيجية فيما يتعلق بالتنمية أو حتى في السياسة الخارجية، فقد اكتفى خلال حملته الانتخابية برفع شعار «أمريكا أولاً» لكنه لم يفعل ما يعزز ذلك، بل على العكس، انسحب مع معظم الاتفاقيات والمنظمات الدولية، الأمر الذي أدى إلى تراجع الدور الريادي للولايات المتحدة، مقابل تقدم الدور الصيني.

كما خاض حربًا تجارية لم تسفر إلا عن المزيد من الضرر بين أكبر اقتصادين في العالم، إلى جانب ذلك أدى استهتاره في التعامل مع ظهور فيروس كورونا، إلى تفشي الوباء في الولايات المتحدة التي أصبحت أكبر الدول المتضررة من حيث أعداد المصابين.

نعم، قد تكون لدى الرئيس الأمريكي توجهات فاشية، ونزعة استبدادية، لكن فرص الممارسة لا تبدو واقعية، في ظل العشوائية التي ميزت سياسيات ترامب على مدار السنوات الماضية، وكان لها تأثير كبير على العديد من الملفات والقضايا الداخلية والخارجية. هذا العبث لا تستقيم معه الأسس التي تبنى عليها الدكتاتوريات، لأن الأنظمة الشمولية لا تقوم على الأهواء والتقديرات الخاطئة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد