default-avatar
يونس حسين علي
default-avatarيونس حسين علي

قبل أيام قليل سافرت إلى تركيا للإجازة، وكنت أتمنى أن الوضع الاقتصادي سيبقى على أحسن حال أكثر من السابق، وبما أنني فوجئت بخبر كنت أنتظره منذ زمن بعيد.. وهو كان خبر تراجع العملة التركية أمام الدولار الأمريكي. ثم كثير من الناس يرون السبب وراء الأزمة هي احتجاز القس الأمريكي في تركيا بعدما كشفت الحكومة التركية علاقة القس مع جماعة غولن، لكن الأمر أكبر وأعظم من هذا. كانت أمريكا تدرس تركيا سياسة واقتصادًا منذ زمن بعيد، وخاصة بعد أن وصل الحزب الحاكم – حزب العدالة والتنمية – إلى سدة الحكم، والذي أيضًا أوصل تركيا إلى تقدم لم يتوقعه أحد، وفقط خلال 15 سنة. إن طعن أمريكا في السياسة التركية لم يكن جديدًا، بل كان هناك تدخلات متتالية منذ زمن بعيد، فقرار واشنطن عن عدم تسليم جولن إلى أنقرة وتسليح الأكراد الذي يزعزع الأمن التركي، كان رسالة واضحة من واشنطن إلى أنقرة التي تبين مدى عدم جاهزية أمريكا لتكون حليفة لتركيا، وكما في العادة الإدارة الأمريكية تسعى وراء مصالحها الخاصة فقط لا لمصلحة حلفائها.

إن الإنجاز الاقتصادي الذي حققته تركيا في هذا الزمن القياسي وبمعدلات عالية جعل الغرب غاضبين عنها، وعلى رأسهم أمريكا الطامعة الكبرى في المنطقة، وبوجود دولة مثل تركيا سيهدد مطامعها فيها، فلذلك كل مرة تبذل قصارى جهدها حتى تستغل أية فرصة تأتي إليها للإطاحة بهذا النظام الذي يهدد أطماعها في ألمنطقة برمتها.

إن تراجع الليرة التركية أتت بعد رفض واضح من الحكومة التركية في بعض البنود الصارمة التي طلبت أمريكا من الحكومة التركية أن تلتزم بها.

١. احترام أنقرة موقف واشنطن عن قضية القدس والقبول بها عاصمة لإسرائيل.

٢. أن تتراجع أنقرة صفقة شراء منظومة صواريخ من روسيا.

٣. تخلي تركيا عن حقول النفط والغاز الطبيعي في جزيرة قبرص.

٤. التزام تركيا بالعقوبات المفروضة على إيران من قبل أمريكا.

٥. إفراج الحكومة التركية عن القس الأمريكي الذي اتهمته الحكومة التركية بالتورط في المحاولة الانقلابية في 15 يوليو (تموز) 2016.

٦. أن لا تطلب تركيا تسليم فتح الله جولن من الولايات المتحدة.

إن جواب أنقرة حول هذه البنود كانت واضحة وأبلغت الجانب الأمريكي رفضها التام وبعد هذا بحثت أنقرة بديلها الجديد بعد زمن طويل من المكر والخيانة الأمريكية، والتي لا تعرف مصلحة الآخر غير مصلحتها. إن حرب واشنطن على اقتصاد تركيا جاءت في وقت تستطيع تركيا أن تخرج منها بسهولة بفضل اقتصادها القوي، وأصدقاءها الأوفياء في المنطقة، وفي أوروبا؛ لأن سقوط اقتصاد تركيا الآن لن تكون مصلحة أي أحد.

فأرى أن واشنطن اختارت الحرب على اقتصاد تركيا في وقت غير مناسب لأن تركيا الآن أقوى من سابقها، فأصدقاء أنقرة اليوم أكبر أعداء لواشنطن، فلن يتركوا تركيا لوحدها ضد أمريكا، بينما روسيا ستكون الفائز الأكبر في هذه التوترات بين تركيا وأمريكا كما أن مثل هذه المواقف من ترامب تجاه أية دولة كان سيخدم أهداف بوتين في الشرق الأوسط. تركيا ليست دولة يمكن أن يقسم شعبها بسهولة أو من خلال اللوبيات الذين يخلقون الفتنة في أوساط المجتمعات باستخدام العرق والدين والقبلية كما حدث في معظم بلادنا العربية.

ومنذ أن سقطت الخلافة إلى يومنا هذا حاول أن يشتعل فتنة العرق والقبلية في أوساط الشعب التركي حتى يتقاتل ويقتل بعضهم البعض بسبب القبلية والقومية والدين، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك. إن هذا الحرب الاقتصادي على تركيا هو الخيار الوحيد لتقسيم تركيا شعبًا ودولة، ولكن لم يكن في وقته.

تركيا اليوم متينة وقوية اقتصاديًا أكثر من سابقها. ولا شك أنها ستجد بدائل كثيرة وحليفًا أفضل من أمريكا، بينما يخسر ترامب وحكومته حليفًا سيندمون عن فقده، وحسب آراء المتخصصين الغرب في الدراسات التركية، فبعد 10 أعوام تركيا ستكون من أقوى خمس دول في العالم اقتصاديًا عسكريًا وسياسيًا.

إن تراجع الليرة التركية سيخلق خوفًا على المستثمرين الأجانب؛ مما يعني هذا خسارة ستلحقه تركيا من خلال هذا الحرب بيد أن كثيرًا من المستثمرين من أوروبا الغربية فيجب عليهم أن يجدوا حلًا لتبادل العملات بدلًا عن الدولار، كما ستفعله روسيا. ومن هنا أقصد لن تنحني قوة تركيا مثل هذه التهديدات الرخيصة وستخرج منها وهي مرفوعة الرأس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك