سؤال يراودني كثيرًا، كنا أسيادًا للعالم أجمع، كنا روادًا للعلم، كنا قادة يُحتذى بنا، ويخطو الكثير خطواتنا. كنا، وكنا، لكن، ما نحن الآن؟ كنا في الماضي، وغابت كينونتنا في الحاضر، فماذا سنكون في المستقبل؟ هل «أَزِفَتِ الآزِفَة»، وأصبحنا الآن في موت لا قيام بعده؟ أأصبح المجتمع بلا أخلاق وعدة وعتاد؟ أمات الأمل والعمل، ونحن الآن في حداد؟ أأصيبت كل الأجساد؟ أم هي غفوة لن تطول، ويليها استيقاظ ونشاط، بعد الممات؟ ألنا عودة؟

قديمًا تتلمذ الغرب على العرب، وكانوا يأتون من كل حدب وصوب؛ ليتلقوا تعليمهم من هؤلاء الأناس الذين عرفوا عنهم الفطنة والتقدم في كافة المجالات، والآن نجد أن الطاولة تبدلت وانقلب الحال، وأصبح هؤلاء الأناس هم التلامذة للذين تتلمذوا على أيديهم، وتأخر ركبهم لآلاف السنوات عن ركب تلاميذهم، عجبًا! لكن أين تكمن المشكلة؟

في الحقيقة، شرح الأسباب يطول، لكن سأحاول جاهدًا إجمال بعض النقاط التي أرى أنها من أهم الأسباب، والتي تتلخص في الآتي:

  • البعد كل البعد عن الدين الإسلامي وتعاليمه، ولكي نتجنب حالة الجنون التي تصيب البعض، عندما نجعل بعدنا عن الدين سببًا في التخلف، فالدين الإسلامي يشمل كل نواحي الحياة، ليس فقط دينًا تعبديًّا، بل «الدين المعاملة»، فالغرب يطبقون حاليًا كثيرًا من تعاليم الإسلام، كالعدل والمساواة والإتقان وطلب العلم واحترام الوقت وغيرها، وكما قال الإمام الغزالي، عندما زار بلاد العجم «رأيت إسلامًا بلا مسلمين»، ونحن «مسلمون بلا إسلام»، فالخطأ في بعدنا عن الطريق الصحيح، وسيرنا بدون منهاج وخطة محددة.
  • باقي النقاط أعتبرها تفصيلًا بعد إجمال، النقطة الأولى: بعدنا عن القراءة والتعلم الذاتي؛ فالقراءة أفضل الطرق للحصول على العلم، فكيف بأمة «اقرأ» أن تتصدر المراكز الأخيرة في القراءة، وقد قال الفلاسفة قديمًا، أخبرني ما تقرأ، وكيف تقرأ؛ أخبرك من أنت.
  • فشل التعليم الذريع، فالآن نتعلم العلم؛ لكي نسطره في أوراق الاختبارات، ثم تأتي العطلة؛ لكي نُفرغ ذاكرتنا من كل ما ملئت به، ويبدأ عام جديد، ونملأ الذاكرة، ثم نفرغها في نهاية العام، وهكذا حتى تنتهي سنوات الدراسة، ثم بعد ذلك نتعلم من الحياة ما هو مفترضٌ تعلُّمُه، وذلك يتم بعد نسيان ما تعلمناه في كل تلك السنوات.
  • المجتمع والبيئة المحيطة، فماذا تنتظر من مجتمع جل شبابه لا يعرف في حياته شيئًا سوى «مفيش صاحب بيتصاحب» وباقي المفسدات؟ وكل نوع فيهم يتشبّه بالآخر؛ فالشاب أصبح كالفتاة، والعكس كذلك، ماذا تنتظر من مجتمع لا يعرف سوى «التحرش»، والسباب، والدعوة إلى ما يسمى بـ«التحرر» بخلع الحجاب، والتخلي عن الملابس، والتقليد الأعمى للغرب، وما يدعى «الموضة»، ونظرة البنت له أو الولد لها؟ يُربَّى الأطفال الآن على كل تلك المهلكات، ومن المفترض أن هؤلاء الأطفال هم شباب المستقبل الذين ستنهض بهم الأقطار الإسلامية، وستقوم على أكتافهم الأمة الإسلامية، واحسرتاه!
  • العيش على أمجاد الأجداد، وليس أمجادنا، فنحن – العرب – نعتز بما فعل الأجداد، وما يُدعى حضارة آلاف السنوات، لكن أين أنت من كل تلك الأشياء؟ أنت غير موجود!
  • اهتمامنا بكل الملهيات والتفاهات عن سبب وجودنا في الحياة؛ فنحن خُلقنا لنعمر الأرض، لا لنعيث فيها فسادًا، ولكن نحن الآن كما قال الملائكة لربنا ـ عز وجل ـ «أتجعلُ فيها من يفسدُ فيها ويسفكُ الدماء»، فنحن أفسدنا في الأرض، وانتهكنا حرمة الدماء، وفعلنا كل ما لم نتوقع أن نفعله، فماذا ننتظر بعد ذلك؟

والعديد من المشكلات الأخرى التي لا يكفينا بعض السطور لحصرها، لكن بعد كل ما قيل، فأين الطريق للإصلاح؟

دعنا نتفق أن منبع الإصلاح هو أنت، «إنَّ اللهَ لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم»، إذا أردت التغيير، فكن أنت التغيير الذي تطمح إليه، لكن هذا لا يتعارض مع العمل على إصلاح الأمة بجانب إصلاح النفس؛ لأن إصلاح النفس، وتهذيبها لا ينتهي، فاجعل إصلاحك لنفسك موازيًا لإصلاحك لأمتك.

ومن إعجاز القرآن الكريم أنه من الممكن الاستدلال بآياته في كل زمان ومكان، فنستطيع استخدام الآية الواحدة في أكثر من موضع، فمن الممكن أن نشبه الأمة الإسلامية بالقوم، وكل قُطرٍ بها هو نفسٌ وجسد، وكل جزء من ذلك القطر، هو عضو في ذلك الجسد، فلكي ينصلح القوم لا بد من انصلاح ذلك الجسد، واتحاده مع باقي الأجساد والأنفس، ولكي ينصلح الجسد، فلا بد من انصلاح كل أعضائه واتحادها!

فاستقيموا يا أمة الإسلامِ، ولا تخافوا في الله لومة لائم، ولا تهابوا من قول كلمة الحق عند السلطان الجائر، فقط سلّم أمرك لله، وتدبر في كل تلك الأمور «فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد