أقضي أول أيامي في الحجر الصحي، أجلس وحدي في غرفتي المظلمة، أتصفح عالمي الافتراضي وأشاهد من خلف النافذة رياح العاصفة الشمالية وأمطار مدينتنا التي لا تتوقف.

يظهر أمامي مقال من المفترض أن يطمئن المذعورين أمثالي من مرض الكورونا، وللمرة الأولى أشعر أنني سعيدة أنني فقدت جدتي العزيزة «كوكب»، بالطبع الفكرة نفسها تحزنني وما زلت أبكي كلما تذكرتها وحتى بعد مرور أكثر من ١٠ أعوام على رحيلها، ولكن حين أقرأ جملة «الكورونا لا يقتل الشباب وصغار السن» يرتعش جسدي وأفكر فيها ويبادر إلى ذهني سؤال واحد

«هل كنا لننجو معا يا كوكب؟»

أول ما رأيته اليوم كانت رسالة من صديق ثائر وساخط على العالم بعد مكالمة مع أمه الستينية، التي قررت ترك وصيتها له؛ لأنه حسبما سمعت الكورونا لا يقتل سوى كبار السن، وهي تريد إن رحلت أن ترحل في سلام بعد أن تترك وصيتها له ولأخوته.

أما أنا فأفكر حتى، وإن كانت لنا الفرصة الأكبر في النجاة، فلن نعود أبدًا كما كنا بعد أن نفقد أحباب لنا من كبار السن، لن يعود العالم كما هو إذا فقد كبار السن ممن نعرفهم أو لا نعرفهم، لربما التفكير في ذلك الآن هو رفاهية وسط حالة الذعر التي تحيط بالجميع، وغياب المعلومات حول الفيروس الذي نواجه.

تعيدني أفكاري إلى القاهرة، إلى كل من قابلتهم ممن فوق الستين، كم جار أزعجني يومًا بصراخه لأنني صاخبة، كم سيدة عجوز نهرتني في أي طابور لأعطيها دوري. إلى بائعة الخضار العجوز المنهكة التي تصر كلما رأت والدي أن يتصل بي حتى تسمع صوتي وتطمئن على أحوالي، وهي التي كانت كلما رأتني في أي وقت تخبرني كم كان حسني مبارك رجلًا شريفًا ولم يستحق ما فعلناه به.

فكرت في كم الصراعات التي خاضها جيلي للتحرر منهم، على الأرجح من هم من مواليد الثمانينيات وما بعدها في مصر لا بد وأن سمعوا عبارات من نوعية «جيل بايظ، جيل فاسد، خربتوا البلد»، لقد كان لجيلي حرب ضروس مع كبار السن منذ تفتح وعينا على العالم، في كل مفترق طرق في حياتنا كانوا هم على الجانب الآخر.

اختياراتنا لطالما كانت مختلفة بل محل نقد لا يتوقف، آراؤنا كانت دائمًا خارج حدود العيب والعادات والتقاليد ويجب تغييرها، مزيكتنا كانت صخبًا و«وجع راس»، ولا يجب أن نسمعها، أفكارنا كانت انحلالًا وفُجرًا ويجب إعادة النظر فيها، ربما لم يقبلوها ولكنهم قبلونا، ربما لم ولن نتفق معهم، ولكننا لا نتخيل الحياة بدونهم.

فمن سيشفي جروح أعمارنا بقبلة حنون؟ من سيأخذ رأسنا بين كفيه ليخبرنا أن كل شيء سيكون على ما يرام. لا يمكنني التخيل أن ذلك الدور يمكن أن يصبح دورنا الآن، أنظر في عيون كبار السن في الشارع، أحاول الابتسام وإرسال رسائل الطمأنينة، أدعو من كل قلبي ألا تكون تلك الدعايا قد وصلت إليهم، ولكن أشعر بنظراتهم تسألني كيف تجرأنا على فعل ذلك؟ كيف صار المرض آمنًا لأنه يقتلهم وحدهم ولا يقتلنا؟ أتمنى أن يعرفوا أننا حقًّا نهتم وأن عالمنا لن يصلح دونهم.

أسأل نفسي ماذا لو كانت الدعايا بالعكس؟  لو أن الفيروس لا يقتل إلا الشباب؟ أقسم إنهم كانوا ليقفوا سويًّا أمام الموت ينهرونه على جرائمه دون خوف، يعاتبونه على مخالفة الاتفاق الضمني بينهم ويفدوننا بأرواحهم. 

أقف الآن وأشعر أنني بحاجة لإرسال رسالة ما فأتذكر المرأة السبعينية التي وقفت خلفي في استفتاء الدستور، والتي أعلنت بكل حماسة أنها ستصوت بنعم حتى يعم الاستقرار على البلاد، وأن كل من سيصوت بلا هو عميل وخائن أبتسم، أغمض عيني وأقول لها: «أرجوكِ خلي بالك من نفسك وسننجو معًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد