ثمّة مفارقة تكتنف أيّ كلام عن ضرورة اتجاه السلطة الفلسطينية نحو خيار المقاومة المسلحة، بعد أن ركنته طيلة السنوات الماضية التي عقبت اتفاق أوسلو الشهير؛ إذ يعلم الجميع أن إسرائيل تمثل لسكان الضفة والفلسطينيين عامة، متنفسًا للاقتيات والعلاج، وهذا بدوره وضعٌ تأويلي دقيق يحتاج إلى دراسة عميقة لكشف مدى تناقضه مع مسألة الانتماء للقضية الفلسطينية.

بعد طول انتظار وترقب أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، بنود خطته لتحقيق السلام في المنطقة، داعيًا السلطة الفلسطينية لدراسة الصفقة التي وصفها بالعادلة والتي تخدم الشعبين على حد السواء.

تصريحات ترامب لم تلق أي ترحيب من الفاعلين في المشهد السياسي الفلسطيني بمختلف أطيافه وألوانه، إذ أجمعت كل الحركات المقاومة على ضرورة رفض الإملاءات الأمريكية وإسقاطها؛ فهي لا تخدم سوى دولة الاحتلال.

هددت حركة فتح، عميدة المقاومة في فلسطين، بالانسحاب من اتفاقية أوسلو في حالة محاولة فرض الصفقة على الفلسطينيين، داعية في الوقت ذاته جميع الفصائل المقاومة إلى الاجتماع لرسم خارطة طريق للرد على ما رأته عربدة أمريكية.

دعوة الرئيس أبو مازن لكل أطياف المقاومة للمشاركة في اجتماع يهدف إلى تدارس الرد الفلسطيني على هذه الصفقة، جعل البعض يتساءلون عن مدى جدية حركة التحرير الفلسطيني «فتح» في التعامل مع حماس مرة أخرى بعد سنوات من القطيعة والخلاف.

يرى بعض الخبراء أن دعوة عباس لا تتجاوز كونها دعوة صورية لا أكثر؛ فالجميع يعلم أن فتح لا تثق في حماس، وكذا الحال بالنسبة لحماس، إضافة لهذا فإن الأخبار التي تصلنا من المطبخ الداخلي لفتح تشير إلى أن القيادات الفتحاوية متشككة في جدية واشنطن في اعتماد الصفقة.

ترى القيادة الفتحاوية أن هذه الصفقة ليست موجهة إلى الشعب الفلسطيني بالأساس، بل هي أقرب ما يكون إلى التكتيك السياسي المشترك بين تل أبيب وواشنطن، والذي يهدف لاستمالة الشارع الأمريكي والإسرائيلي.

حركة حماس الإسلامية بدورها عبرت عن معارضتها لهذه الصفقة في بيان رسمي شديد اللهجة، متعهدة برد متناسب مع تجارة واشنطن بآلام الفلسطينيين، إذ ترى القيادة الحمساوية أن هذه الصفقة التي باركها جاريد كوشنر، صهر ترامب، والمعروف بعلاقته الوثيقة مع سلطات الاحتلال، لن تثني المقاومة الفلسطينية على السير قدمًا في سبيل التحرر.

يرى بعض المهتمين بشؤون الشرق الأوسط أن توقيت الإعلان عن هذه الصفقة يخدم حركة حماس خدمة مباشرة، ففي الوقت الذي تسعى فيه حماس لتوجيه أنظار الفلسطينيين إلى النقائص في الضفة الغربية، وتحجب النقائص الجمة التي يعيشها القطاع، جاءت هذه الصفقة لتقول للمواطنين البسطاء إن قضيتهم في خطر داهم، وأن سلطتهم التي تحمل الشرعية الدولية عاجزة عن الدفاع عنكم.

تحدثت مصادر مطلعة داخل حماس عن تفاؤل داخل الحركة بمخرجات هذه الصفقة، إذ ترى بعض القيادات أن الفرصة قد حانت لتوسعة القاعدة الشعبية لحماس خارج القطاع، وتحديدًا في الضفة الغربية، فهذه الصفقة ستجعل العديد من الفلسطينيين يراجعون قرار اصطفافهم خلف السلطة في رام الله، والتي انتهجت منذ يومها الأول سياسة الاكتفاء بخوض المعارك الدبلوماسية.

بينما عبّر عدد من سكان الضفة الغربية صراحة عن عدم استعدادهم للدفع نحو خوض السلطة مغامرة جديدة غير محسوبة؛ إذ يعتمد عدد كبير منهم على التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل من أجل الحصول على تصاريح لدخول الأراضي المحتلة للعمل ولتلقي العلاج في المستشفيات الإسرائيلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد