بين ليلةٍ وضحاها انقلبت الموازين رأسًا على عقب، في الساحة السياسية السودانية، وتغيرت معها الكثيرُ من الأمور الاقتصادية والاجتماعية، وحتى العسكرية… إلخ، على وقع ثورةٍ شعبيةٍ عظيمةٍ، كان شعارها الأوحد سلمية، هذا التغيير أدي لتغيير العديد من الموازين في مؤسسات الدولة وقطاعاتها المختلفة، والآن البلاد تستشرف مستقبلًا جديدًا مشرقًا ينتظرها، بعد أن وفُق طرفي النزال، المجلس العسكري وقوي إعلان الحرية والتغيير في الوصول إلى اتفاقٍ يُفضي إلى تكوين حكومة مدينة انتقالية مدتها ثلاثُ سنواتٍ، تعقبها انتخابات لتكوين حكومة جديدة.

وبما أن البلاد تعيش عهدًا جديدًا، مفعم بالحرية والسلام، وتقبل الرأي والرأي الآخر، في جو معافى، يتطلع الكثيرُ من السودانيين وبخاصة العاملين في الحقل الإعلامي، أن يعم هذا التغيير مواطن وبؤر الفساد الكبير الذي اعترى جسد المؤسسات الإعلامية جميعها، خاصة الإعلام الرسمي للدولة – الإذاعة والتلفزيون، فالإعلام الرسمي ظل بعيدًا عن مسرح الأحداث، طوال الفترة الماضية، يغرد خارج السرب، نأئيًا بنفسه بعيدًا عن كل القضايا الأساسية التي أثقلت كاهل المواطن البسيط، وغض الطرف عنها، مجبرًا لا من غرارة نفسه، فكل ما نال من معاش الناس، لم يعره اهتمامًا، بل ظل هادئًا دون أن يحرك ساكنًا.

بعض وسائل الإعلام غير الرسمية، بدورها آثرت على نفسها، عدم الخضوع أو الخنوع والانعتاق لسلطة الدولة وبطشها، لكنها لم تفلح في ذلك، فالشواهد كثيرةُ، وتاريخُ الإعلام السوداني طوال الثلاثين عامًا الماضية، حافلًا بالكثيرِ من المواقف المشرفة لمؤسسات أو أفراد وقفوا ضد هيمنة الدولة وجبروتها، فدفعوا ثمن هذه المواقف غاليًا، دماءًا وأرواحًا ذكية.

اليوم نعيش السودان الجديد، السودان الذي نحب، نتمنى أن تُسترد فيه كل حقوقات وحريات الإعلام المسلوبة، حرية التعبير وتقبل الرأي والرأي الآخر، فلا إعلام بلا حريات، إلا سيصبح إعلامًا موجهًا، ففي العُرف الدولي يقال أن القدرة على التعبير عن الأفكار بالقول والفعل واعتناق الآراء من دون أدنى تدخل من الغير ودون أي استثناءات تجرى، هي ما يتم إعتباره أحد الحريات الأساسية في حياة الإنسان وإحدى حقوقه وهي ما تندرج تحت مسمى حرية الرأي والتعبير، بمثل ما أكدت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948.

وعليه تكمن حرية التعبير عن الرأي في حرية التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق الكلام أو الكتابة بدون رقابة أو قيود حكومية، بشرط ألا تمس طريقة ومضمون الأفكار أو الآراء ما يمكن اعتباره تجاوزًا لقوانين وأعراف الدولة، لكن في الوقت نفسه ندرك تمامًا أنه مهما كانت حرية التعبير مقدسة، لابد لها من ضوابط تنظم ممارستها، لحماية المجتمع من الفتن والصراعات، وتزداد الحاجة لتلك الضوابط عندما يتعلق الأمر بالحديث عن الأديان والمقدسات، وخاصة عندما يكون المجتمع مكون من عدة ثقافات وأديان وقوميات كالسودان، وحرية التعبير هذه حرية مسؤولة عن مراعاة المصلحة العامة، والتي تعود بالنفع على المجتمع، لكن في الوقت نفسه قد تكون حرية التعبير سلاحًا ذا حدين، عندما تنقلب المعادلة وتصبح حرية التعبير تعدي وعدوان، فهي بذلك تعد جريمة لابد من معاقبة مرتكبيها لأنهم يعبثون بأمن المجتمع وسلامته، وهذا نحن ليسُ من أنصارها.

بيد أن هذا أو تلك غير موجودة بالسودان ألبتة، لذا نتعشم ونحن كلنا أمل في أن يتحرر الإعلام السوداني الرسمي وغير الرسمي، من براثن القيود والتسيس الذي أضر به وأقعدته، وأضرت بالبلد بأكمله، فالإعلام مبني على الحرية في طرح قضاياه وتناولها بينه وبين الرأي الآخر، ليصل إلى حقائق وحلول لها، ومعرفة مكمن التقصير ومعالجته، فالإعلام الإيجابي دومًا هو مطبل، لن يصلح أو يجدي نفعًا.

لقد عانى الصحافيون والإعلاميون السودانيون الأمرين طوال حقبة الإنقاذ، قهرًا وذلًا، بلا تقدير أدبي أو مادي، ولكن رغم كل ذلك لم يرمى بعضهم الراية، وظل مناضلًا بحقوقٍ تعتبر هي من ثوابت العمل الإعلامي، ممسكًا بجمر القضية، لم يكل أو يمل، متيقنًا جيدًا أن الحق عائد لا محال، طال الزمن أو قصر، وقد كان له ما تمنى وانتظر.

أخيرًا نقول.. إن ما حدث في السودان، لا يختلف كثيرًا عن ما يدور في محيطة الإقليمي على الصعيدين الأفريقي أو العربي، فالإعلام في دول العالم الثالث عمومًا، مجرد خادم لأهداف وأجندة السلطات الحكومية، وبالتالي لن يتطور في مثل هذه الأجواء الخانقة والمسمومه.

إن اغتيال الحريات في هذه الدول هو السبب الرئيس في تراجع مستويات الخدمة والعمران فيها؛ لأن كل المحاولات القليلة التي قامت من أجل تطوير الإعلام فيها ليكون حرًا وبذلت جهودًا كبيرة في ذلك، تم إفشالها بنجاح في نهاية المطاف، ليبقي الإعلام فيها إلي يومنا هذا أداة ترهيب وتنكيل لا تنمية أو تطوير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد