إخواننا أصدقاء وأتباع وأنصار العهد الجديد في مصر جميعهم يعضون أنامل الغيظ على فوز أردوجان وحزبه بانتخابات تلو الأخرى في تركيا، من الانتخابات العامة إلى الانتخابات المحلية ثم الانتخابات الرئاسية الأولى ثم الانتخابات العامة من جديد، وكانوا يمنون النفس بسقوط أردوجان وانصراف الشعب عنه وعن حزبه في إيها، إما بفشل يصيبه، أو بنجاح المعارضة في استقطاب الجماهير، أو بنجاح للسيناريو الذي نجح في مصر وحاولت نفس الجهات العربية الداعمة تكراره في تركيا وتونس وفشلت! فشل في تونس لوعي الشعب وإدراك الساسة، وفشل في تركيا لوعي الشعب وإدراك وقوة أردوجان، الذي قطع أيادي التآمر بل وهدد بفضحها في بلادها، مما ألزمهم حد الأدب معه، وفي النهاية قال الشعب التركي كلمته مثنى وثلاث ورباع.

 

 

 

وما زال هؤلاء الإخوة ينتظرون يوم سقوط أردوجان ليهللوا ويعتبروه نصرًا لهم وسقوطًا لأحد خصومهم الذي لا يفتأ يهين فرعونهم ويوجه إليه أوصافًا قاسية مثل المغتصب والمستبد والقاتل … إلخ، وينسون أنه في النظام الديمقراطي لا يمكن لحزب أن يظل فائزًا على الدوام، وأنه يوم سقط أردوجان انتخابيًا سيكون هو ذاته يوم إعطائه شهادة النجاح النهائية سياسيًا بعد أن حصل عليها اقتصاديًا، فلقد أصبح نجاح أردوجان وحزبه في نقل تركيا نقلة عظمى إلى مصاف الدول الكبرى اقتصاديًا صفحة دونت في تاريخ تركيا والقرن الحادي والعشرين لا يمكن لأي أحد أن ينكرها أو يغيرها.

 

 

وأما عن نجاحاته السياسية التي أهلته لفوز تلو آخر، وتقليم أظافر العسكر (وهو درس قابل للتكرار بكل تأكيد)، وتوازن سياساته بين أوروبا والعالم الإسلامي وإعادة تركيا شيئًا فشيئًا لهويتها الطبيعية، كل هذه النجاحات السياسية تنتظر كلمة الختام، إن يخسر الانتخابات يومًا ما بطبيعة الأشياء فيكون نموذجًا لخروج الإسلاميين من السلطة ديمقراطيًا كما كان نموذجًا لوصولهم للسلطة بطريقة ديمقراطية وتعاملهم أثناء السلطة بطريقة ديمقراطية، وعلى هذا فسيكون يوم سقوط أردوجان وحزبه – بعد هذا اليوم أو قرب، كما يقرر الشعب التركي وإرادة الله من قبل ومن بعد – هو يوم تمام النجاح الأردوجاني، سيكون يوم سقوطه هو يوم فوزه الأكبر.

 

 

 

والعكس تمامًا مع الذين يفوزون في انتخابات هزلية معدة سلفًا في أجواء غير ديمقراطية، ليس فيها انتظار لمعرفة من الفائز، وليس فيها كرامة النزاهة وشرفها، هؤلاء الذين يضحكون على أنفسهم قبل أن يضحكوا على الناس، ويجرون انتخابات أحادية التيار محصورة في تيار سياسي واحد، كما حدث فيما سمي بالانتخابات الرئاسية بين متنافسين اثنين أحدهما لم يكلف نفسه مؤونة القيام بالدعاية لنفسه في الشوارع وغيرها، وارتضى لنفسه أن يخوض انتخابات في أجواء قمعية وهو يرى أن شطر الشعب مقموع سياسيًا وأمنيًا، وأن الإعلام مكمم الأفواه إلا عن تأليه وتمجيد منافسه، ومع ذلك ارتضى أن يقوم بدور المحلل، فكانت الانتخابات بين المحلل والمحلل له.

 

 

 

 

هل مثل تلك الانتخابات الهزلية في الأجواء القمعية وبهذا الإخراج السيء يمكن أن تحمل أيًا من معاني الفخار والشرف للفائز بها؟! هل مثل تلك الانتخابات التي حاول الإعلام الفاشي الأحادي أن يحشد الناس لها بغنوة ورقصة يمكن أن تشرف الفائز بها؟!

 

 

 

 

ثم تأتي تلك الانتخابات لتكشف أن الشعب أوعى مما تصوروا، ويوجه بمقاطعته الواسعة النطاق لهذه الانتخابات أعنف ضربة للنظام منذ الفض الدموي للاعتصامات، ويجن جنون الإعلام ويستصرخ الناس للنزول، ويشتمون الشعب لعدم تجاوبه مع كذبهم وظلمهم وغنائهم ورقصهم! فهل بعد هذا يكون الفوز مشرفًا؟! ويجن جنون الحكومة فيخرج رئيس الوزراء – في سابقة تاريخية – في العاشرة من مساء اليوم الأول من فضيحة ضعف الإقبال ليعلن أن اليوم التالي إجازة.

 

 

 

 

 

 

ثم تأتي اللجنة العليا للانتخابات لتضيف يومًا ثالثًا، ثم يأتي رئيس الوزراء ليوزع مئات الآلاف من التذاكر المجانية عسى أن ينجح كل هذا في ستر المشهد، فهل بعد هذا يكون الفوز مشرفًا؟! ثم تخرج النتيجة في النهاية لتظهر الأرقام مساوية للأرقام التي خرجت بها الانتخابات السابقة شديدة المنافسة! فهل يمكن – بأي حال من الأحوال – أن يعتبر الفوز في انتخابات تلك مقدماتها ووقائعها وإخراج نتائجها مشرفًا؟! إن مثل تلك الانتخابات لا أقول تهدر ماء وجه الفائز بها، بل أقول تسقط لحم وجهه قطعة قطعة مع كل مرحلة منها، من الأجواء القمعية إلى الحشد المبتذل إلى فضيحة المقاطعة وفضيحة التعامل معها، إلى فضيحة النتائج، حتى إذا أعلنت كان لا غرابة ولا عجب أن يظهر الفائز مسود الوجه ويتساءل الناس المؤيد منهم والمعارض عن سبب اسوداد الوجه، وكأن طريقة فوزه في الانتخابات انعكست على وجهه، وكأن الوقائع تقول له: انتخابات ساقطة وفوز ساقط!

 

 

 

 

 

وبمثلها تمامًا خرجت الانتخابات النيابية، فراغ في اللجان وشعب قاطع في الحضور وظهر في النتائج، وموات سياسي تام وكرة تتنقل بين أقدام المستفيدين وانتخابات بين أطراف جميعها مؤيدة ويختلفون فقط في مكان التأييد ولونه!

 

 

 

 

سيكون يوم سقوط أردوجان هو يوم فوزه، وسيكتب التاريخ أن أردوجان وحزبه رحلوا بالصندوق مثلما حدث لعظماء الأنظمة الديمقراطية مثل أنديرا غاندي في إحدى الفترات وابنها راجيف غاندي، وهيلموت كول موحد ألمانيا، وتشرشل بطل بريطانيا، وكارتر وبوش الأب في الولايات المتحدة، لن ينقصه هذا بل سيزيده وسيكون يوم تمام انتصاره وإكمال نجاح النموذج الذي قدمه، بينما آخرين ستظل معرة فوزهم تتناقلها الأجيال بالخزي والتندر على المحلل والمحلل له سواء في الانتخابات الرئاسية أو النيابية، عن الذي كان يوم فوزه هو يوم تمام سقوطه واسوداد وجهه.

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد