رست الانتخابات اللبنانية العتيدة، التي طال انتظارها، والتي استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة «غير الحربية»، من الحق إلى الأباطيل، رست على نتائج سياسية، احتفل فيها الجميع بانتصاراتهم، على تواضع بعضها، وضخامة بعضها الآخر، وهذا هو المعنى الحقيقي لحسنات القانون النسبي: «الكل يخرج رابحًا».

لكن هذه الانتخابات قد أفرزت أربعة رابحين كبارًا، أعرضهم بحسب ترتيبهم الرسمي:

1- الرئيس «نبيه بري»: أحد قطبيّ الثنائي الشيعي، ورئيس مجلس النواب، وعرّاب نظام الطائف، حاز كل المقاعد الشيعية المخصصة لحزبه، ووسع كتلته بما ستضمه من شخصيات سُنيّة ودُرزية ومسيحية، «بري» يستعد لاستقطاب مروحة واسعة من الأطراف السياسية المتضررة من التسوية الرئاسية، بما في ذلك أطراف غير محسوبة أساسًا على ما كان يعرف بقوى الثامن من مارس (آذار).

2- الرئيس «سعد الحريري»: رئيس الحكومة وتيار المستقبل، يتقلّص حجم كتلة هذا الرجل لكنه ينتصر، قُبيل زيارته الغامضة إلى السعودية، انطلق الرئيس «الحريري» من احتمال خروجه بسبعة نواب، بعد الانتخابات في ظل الحرب الشرسة عليه من منافسيه، في الطائفة السنية، المعتدل فيهم والمتطرف، حُمِّلَ مسئولية الهزيمة السورية، ومسئولية إيصال الرئيس «عون» إلى قصر الرئاسة الأولى، بعد خصومة طويلة. اتكأ الرجل على خرزة خرافية، ولحية شبابية، وكاميرا هاتف نقال، عدة شغل بدائية شفعت له لدى الناخبين، إحساس بأن الرجل قد ظلمته السياسة، وحدس سياسي شعبي؛ «عرف الحريري» كيف يعمل عليه جيدًا، بأن المصطادين في الماء العكر، ليسوا أفضل منه بأي حال، وجل إنجازهم سيكون تفتيت العصب السني.

3- الوزير «جبران باسيل»: رئيس التيار الوطني الحر، الذي اختار شعار «العهد القوي» شعارًا لحملة حزبه، وتعرض لحملة سياسية غير مسبوقة، ضد شخصه، وطموحه، وأخلاقه، وحتى أسلوبه، خرج الرجل من هذه الانتخابات بأكبر كتلة نيابية، وهي أكبر من كتلة حزبه عام 2009 -رغم وجود خمس ودائع في كتلة 2009- كما بأكبر كتلة داعمة للعهد في تاريخ الجمهورية الممتد إلى 75 عامًا، لكن الأهم أنه نجح في إيصال معظم مرشحي العصب الحزبي، وبضعف عدد ما كانوا عليه عام 2009، كما نجح في إيصال من اصطلح على تسميتهم «صقور التيار» جميعًا، وذلك رغم الاتهامات التي لاحقته طويلًا؛ بأنه لا يرتاح لهم، نجح في مهمته رغم التفكك اللا عقلاني لبعض الماكينات الانتخابية في المناطق، والتي عملت ضد بعضها البعض أكثر مما عملت ضد الأخصام. إنه اختبار السعي للزعامة دون توسل الدم، وهو اختبار نادر منذ العام 1975، عام بداية الحرب الأهلية اللبنانية.

4- الدكتور «سمير جعجع»: رئيس حزب القوات اللبنانية، الذي حصد جهوده التنظيمية المشهودة في حجم كتلته النيابية الجديدة، عملت ماكينات القوات بكفاءة تنظيمية عالية، بغض النظر عن الإمكانات الهائلة التي تمتعت بها، عمل الرجل منذ خروجه من السجن على خلق تنظيم شديد البراعة، يبدأ من المدارس والجامعات، وصولًا إلى أرقى المستويات الحزبية، ورغم تعاسة حظ هذا الرجل مع الرهانات السياسية، إلا أنه أثبت أن التنظيم هو عنصر شديد الفعالية في النجاح السياسي؛ ولهذا الأمر مدلولات خاصة في البيئة السياسية المسيحية، التي تعودت الخلط بين الولاء والفعالية.

مقابل هؤلاء الرابحون الأربعة الكبار، هناك خاسرون ورابحون بالمفرق، لكن الخاسر الأكبر كان المرأة اللبنانية رغم «الكرم» الرمزي في بيروت، والجنوب، والشمال.

فوق هذه الانتخابات رجل متبصر، انطلق زعيمًا «مشاكسًا»، ضج لبنان به 26 عامًا، لكنه في اليوم الذي أعلن أبوته للكل، قُبيل وصوله إلى رئاسة الجمهورية، تحول إلى ضامن كبير للبنان، رغم تشعب تناقضات القوى السياسية، فهو الرئيس الذي يحوز ثقة الطرفين الرئيسيين، في الطائفتين السنية والشيعية، ويحالف أحد طرفي الثنائي الدرزي، وتدعمه أكبر كتلة نيابية مسيحية في تاريخ الجمهورية.

أما المتبصر الثاني؛ ذلك المعمم الذي يزن الأمور بموازين دقيقة جدًا، فكيف سينظر إلى الخارطة السياسية الجديدة؟ ذلك سؤال وجيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد