تتساقط حبات المطر لتشكل سيمفونيةً موسيقيَّةً جميلةً، تنافس سيمفونيات باخ وبيتهوفن في ليلة رومانسية بين حبيبين بالقرب من برج ايفل. هناك الكثير من الناس الذين ينتظرون فصل الشتاء الجميل؛ ليعبروا فيه عن مشاعرهم الجياشة لأنفسهم أو لأحبائهم؛ فتجد من يكتب شعرًا على نغمات حبات المطر، ومن يكتب خواطره في مقهى كلاسيكيٍّ يليق  بفصل العشق، وهناك من يقرأ كتابًا لأشعار نزار قباني ومحمود درويش، وأيضًا هناك مَن يكتب مذكراته وخططه المستقبلية مستبشرًا بفصل الأحلام وتحقيق الأمنيات؛ وعلى الرغم من اعتبار فصل الشتاء هو فصل الحزن عند الآلهة الإغريقية؛ وذلك بسبب مكوث بيرسيفوني، ابنة الإلهين ديمتير وزيوس، في العالم السفلي بعيدةً عن أمها ديمتير.

إذ تقول الأسطورة أن الإله زيوس، تزوج من الإلهة ديميتر، وأنجبوا فتاةً جميلةً جدًّا كضوء القمر تدعى بيرسيفوني، وكما ذُكر بعالم الأساطير أن الإله زيوس هو الإله الأكبر، والأعلى في جبال الأولمب، والإلهة ديميتر؛ هي إلهة الطبيعة، والقمح، وثمار الأرض؛ وفي يومٍ كانت به بيرسيفوني في حقول الزهور اختطفها إله العالم السفلي هاديس؛ ليتزوجها، وبعدها ثارت آلهة الطبيعة والقمح؛ لتجف الأرض، وتتساقط الأمطار بكاءً على غياب بيرسيفوني، وبعدما حلت المجاعة على الأرض بسبب حزن آلهة الطبيعة ديمتير؛ قرر زوجها زيوس؛ بأن يأمر هاديس بإعادة بيرسيفوني، ولكن كان شرطه بأن تأكل ديمتير ثلاث حبات رمان؛ ليضمن أن تقضي بيرسيفوني ثمانية أشهر في أحضان أمها وأبيها؛ وهم فصول الربيع والخريف والصيف، و ٣ شهور قحط وهو فصل الشتاء؛ لذلك على الرغم من الحزن الذي يعم على الآلهة في هذا الفصل، إلا أنها بنظرنا مجرد أساطير لا أساس لها من الصحة؛ حتى تجعلنا نحزن، ونشعر بأن فصل الشتاء هو فصل الحزن والقحط والبكاء.

وأكد الكثير من الأطباء والمختصين؛ أن فصل الشتاء هو فصل انخفاض مادة السيروتونين في الجسد؛ مما يؤدي إلى حب الإنسان للوحدة في فصل الشتاء، وظهور ما يسمى بالكآبة الشتوية، ولكن لا أظن بأن هذه الدراسة تنطبق على جميع المخلوقات البشرية؛ لأن هناك دراسة أخرى، أثبتت بأن العكس هو الصحيح، وأن فصل الشتاء هو فصل الحب والحيوية؛ لذلك نجد من هم فيروزييو الهوى أثناء مراقبتهم للجو العاصف والماطر؛ فعندما تسمع أغاني فيروز بصوتها الشجي، تشعر كأن المطر يلامس قلبك، ويتغلغل داخل الشريان الأبهر؛ ليوقظ فيك حب الحياة والفرح؛ فترى العربي والغربي يعلنونه جوًّا فيروزيًّا بامتياز على أنغام «رجعت الشتوية»، فكم من حنين اشتعل على صوت زوجة الرحباني؛ الممزوج برائحة التراب بعد هطول المطر، وكم من ذكرى مرت على البال بعد دندنات المطر الفيروزيّ لأغنية «راجعين يا هوى».

ولكن هل تكون بالضرورة الذكرى الفيروزية هذه في اغنية راجعين يا هوى متعلقة بالهيام والعشق، وهل بالضرورة أن يكون الشتاء حزينًا؛ بسبب انخفاض مادة السيرتونين، أو بسبب فقدان بيرسوفيني. في الحقيقة، لا أظن ذلك؛ فكم من شخص اشتاق لرائحة المطر في وطنه الحبيب، وكم من لاجئ افتقد فنجان القهوة الساخن في مكان ما محببًا لديه، في بلده وبالقرب من عائلته؛ فمهما كان شتاء الغربة جميلًا، فيبقى شتاء الوطن أجمل وأمتع، وستبقى فيروز أروع في الوطن الأصلي. شتاء اللاجئ أو النازح يشبه شتاء ديمتير، فكما فقدت ديمتير ابنتها في فصل الشتاء، فقَدَ اللاجئ رائحة وطنه؛ التي تعد أمه؛ وليست ابنته، ولكن الفرق بين ديمتير واللاجئ؛ هو أن ديمتير تسترجع ابنتها لحضنها ثمانية أشهر، ولكن اللاجئ لا يستطيع أن يسترجع جزءًا من وطنه المفقود صيفًا أو شتاءً.

رغم جمال الشتاء الذي نحبه، ونحن بجانب المواقد؛ إلا أنه نقمة على أصحاب الخيم والمخيمات؛ فصوت قطرات المطر لأصحاب المنازل مختلفٌ تمامًا عن صوت تلك القطرات للاجئين في المخيمات، وصوت فيروز الشتوي مختلف تمامًا عندما يسمعه اللاجئ في خيمة لا تصمد ضد المطر والعواصف، فيرى في صوتها دفئًا وحنينًا لوطنٍ سُلب منه، ومنزلٍ دُمِّر فوق رأسه، وأدّى به للعيش في قطعة قماش على هيئة خيمة فوق جسده الهزيل والنحيل. لقد بلغ عدد اللاجئيين السوريين في مخيم الزعتري في الأردن بحسب إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة 78.597 لاجئًا، وبلغ عددهم في مخيم الأزرق بالأردن أيضًا 35.752 لاجئًا؛ وقد تعرضت الكثير من الخيام للاحتراق بسبب محاولة قاطنيها تدفئة أجسادهم، التي جففها البرد القارس؛ أما في لبنان؛ فقد بلغ عدد اللاجئين السوريين ٥٠ ألف لاجئ، توزعوا في مخيمات مختلفة في لبنان؛ وقد قالت ليزا أبو خالد المتحدثة في لبنان باسم المفوضية العليا للاجئين لوكالة فرانس برس: «إن ما لا يقل عن 66 مخيم غير رسمي طالتها الفيضانات، بينهما 15 مخيمًا غمرتها المياه أو جرفتها بشكل كامل»، وغيرهم من البلدان التي استقبلت اللاجئين السوريين بحفاوة؛ ولكن أصرت الظروف على أن تجعلهم يعانون حتى في البلاد الآمنة؛ فالشتاء وفيروز، والأطباء، وحزن ديميتر، لا يعبر ولو بقليلٍ عن معاناة لاجئ فَقَد نفسه قبل أن يفقد أي شيء، لاجئ كرس أذنيه لسماع فيروز التي تذكره بوطنه وحياته الكريمة، لاجئ فقد مادة السيرتونين بأكملها، لاجئ كوّن لنفسه أسطورة أسماها وطن؛ وطن يُحَنُ إليه في كل وقت، وكل فصل، وكل زمان تحت لهيب الشمس وعواصف شباط.

فاللاجئ قد أمطرت على رأسه السماء قطرات مطر في بلد اللجوء أشعلت في وجدانه الحنين والذكرى للمطر المفقود والمستبدل في وطنه الأصلي بقنابل عنقودية وصواريخ هاون تتساقط على جسده وقلبه المسكين، ويبقى الشتاء رغم كل شيء هو الأمل لكل يتيمٍ فقد أرضه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد