الحقبة السوداء كانت مرحلة دموية في تاريخ الجزائر بين الجيش بقيادته الهدامة المتناطحة في ذلك الوقت مع حزب إسلامي همجي، ورغم كل قصص المؤامرة التي صيغت وكانت حادثة «البردعة»؛ إذ دفع أصحاب الأفكار المتطرفة ضد العروبة والإسلام الحزب الهمجي نحو حمل السلاح والمطالبة بنزع الرئيس، أو كما كان يدعى «مسمار جحا». فسقط الرئيس وظن البعض أنهم أتوا نصرًا بمن لم يفِ بوعده، لكنه كان نصرًا وهميًّا هدفه ترسيم قيادة عسكرية دموية. لم يقف الحزب عند ذلك، فقد حرَّض على بعض الجنرالات، وكانت السيارات الرسمية تُقذف بالحجارة، وحتى إنه وصل التأجيج الإعلامي والشعبي في الوقت نفسه أن تصور أحد زعماء الحزب بلباس عسكري وقائد الجيش بلباس مدني ظنًّا أنه منتصر ولكنها كانت قمة «البردعة». يمكن أن تحاكي القصة في الدول العربية التي عانت من ثورات عكسية.

الكذب هو معامل للثقة يستعمله الإنسان لتقييم تعامله مع قرينه من البشر، وكثرة الكذب تجعل من الشخص لا يثق في الجانب الآخر بحجة عدم توافق كلامه مع الحقيقة. لقد رسمت الحياة السياسة العربية مسرحًا مفتوحًا يرقص فيه مجموعة من المستعبدين من أجل ما يدعى الخبزة أو المعاش، أما عن الرافض لسياسات تختار بأحادية فتكتب عليه الخيانة ويبوء بغضب شديد في مخابر مخصصة للتأديب. أخيرًا ذلك الانبطاحي الذي عبد كل ما هو أعجمي وذم كل ما هو عربي في أزقة المسرح، لكنه بين الحضور كان مثل الفنانة يبتغي رضا الجميع، أما عن المواطن العادي فرفض أن يُصفق لحرباء تتلون بغية أهداف لا تتوافق مع رؤية الطفل الطموح الذي يحلم. انعزل العربي عن الحياة السياسية ظنًّا منه أنها مسرح للمنافقين فتكونت لديه شخصية ساذجة لا تعي أبجديات الاقتصاد أو القانون
العالمي.

الحياة بغير لعبة الشطرنج تستمر بعد موت الملك كما قال إسحاق أسيموف؛ إذ إننا نتنافس مع أناس في كل المجالات من أجل أن نحصل على ما نبتغي فهو أمر طبيعي أن يفشل الإنسان ولكن الأساس أن لا يخور عزمه، فالأسد يجري وراء الكثير من الغزلان لكنه يصيب منهم القليل، أما عن عالمنا العربي فقد فشل كثيرًا بعد الثوارات الكبرى التي حررته من الهيمنة التركية، الفرنسية والبريطانية وربما كانت أكبر انتكاساته هي خسارته لبيت المقدس. أما عن ثوراته الداخلية فقد وأدت في مهدها لتجعله يتصور أنه لا يملك من أمره شيء، وقد كتبت حياته وسطرت في المذلة لتكون شخصية انهزامية تبحث عن بطل خارق يحرر البلاد من الشياطين، كان ذلك نتيجة سنوات من تقبل الرؤية الوحيدة التي ثبطت العزيمة وقتلت التنافسية في وسط شباب يفخر بنفسه.

الانهزامية بين الشعب جعلت منه يبحث عن ذلك المخلص، السذاجة جعلت منه غير مدرك للتلاعب بالكلمات من قبل بيادقة إعلامية، أما عن الانتصارات الوهمية فأعطته جرعات فرحة أنسته همومه اليومية. تلك المعارك النفسية أنتجت ما يدعى مرض الحكمة فنرى الآن في وسائل الاتصال الاجتماعي مؤثرين يتكلمون في السياسة كأنهم يعلمون الغيب وما يخفى، نراهم يفتون في علاقات سرية بين دول متناسين دور الشركات الائتمانية في وضع تقييمات تقوم عليها كل الاستثمارات، وأن خرق القانون يحتم خسارة نقاط. أكثر من ذلك، نراهم
يتكلمون عن صفقات سرية لا يقبلها العقل بموازاة مع المعلومات العامة التي يمكن أن تحصل عليها من البورصة. أما من يبحث عن مخلص فيتابع الذي يجالس الرئيس كل يوم على قهوة مسائية وقائد أركان الجيش على قهوة صباحية، ويحكي لنا ليلًا خطط الرئيس السرية، ولأن ذاكرة العامة صغيرة لارتباطهم بأعمال يومية تنسيهم تفاصيل الأمور، فحتى لو أخطأ فسوف يبرر ذلك بخطة رئاسية ضخمة لهدم أصنام الشرك. في معظم الأحيان كان الحكيم مجرد شخص ببلاغته يسحر القطيع، وبريء براءة الذئب من دم بني يعقوب لمعرفته خبايا الأمور، حيث كان أحد الأمرين مطبلًا ومبررًا للسلطة، معراضًا بدون مرجع أو أساسًا لكل ما تقول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد